كذب الوقاتون
(خطورة التوقيت والتطبيق في العقيدة المهدوية قراءة في حدود الغيب ومسؤولية الوعي)
الشيخ ميثم السلمان
إشراف وتقديم: مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)
الفهرس
مقدَّمة المركز...................٣
المقدَّمة...................٧
ملاحظة...................١٩
التوطئة...................٢١
أركان التعامل مع الفكر
المهدوي...................٣٠
الفصل الأوَّل: فتنة
التوقيت...................٣٧
حين يستعجل الإنسانُ سرَّ
الله...................٣٩
نزعتان متناقضتان في
الإنسان...................٤٧
الفصل الثاني: العقل
الموقِّت (من حُبِّ الظهور إلى ادِّعاء العلم بالغيب)...................٥٧
من الغيرة إلى الغرور..
التحوُّل النفسي للعقل الموقِّت...................٥٩
وهم المعرفة.. كيف يُبرِّر
الموقِّت لنفسه سلطته؟...................٦٥
آليَّة حفظ
الوهم...................٧٢
مراحل بناء الوعي
للمنتظِر...................٧٥
الفصل الثالث: من الفكرة
إلى التنظيم (التوقيت حين يتحوَّل إلى سلطة)...................٧٧
من الموقِّت الفرد إلى
الجماعة المؤمنة به.. النشأة الاجتماعيَّة للتنظيم السرِّي...................٧٩
اللغة الجديدة.. كيف تصنع
التنظيمات خطابها الخاصَّ وتُعيد تشكيل الوعي؟...................٨٥
التقسيم بين (خطابٍ عامٍّ)
و(خطابٍ خاصٍّ)...................٨٨
التوقيت كأداةٍ للسلطة
والسيطرة والصدام مع المرجعيَّة ثمّ تفكيك الظاهرة وإعادة
الوعي...................٩٢
الفصل الرابع: الوجدان
الباحث عن المخلِّص...................٩٩
من حُبِّ الإمام إلى صناعة
البديل...................١٠١
من الحُبِّ إلى
التقمُّص...................١٠٢
التحليل النفسيُّ
للظاهرة...................١٠٣
صناعة
المخلِّص...................١٠٤
الرموز الكبرى في الوعي
الشيعيِّ من الإشارة إلى الشخص...................١٠٦
١ - من العلامة إلى
العَلَم...................١٠٦
٢ - الخراسانيُّ وشهوة
التنظيم...................١٠٧
٣ - شعيب بن صالح.. الحاجة
إلى البطل العسكريِّ...................١٠٨
٤ - النفس الزكيَّة.. صورة
البراءة الموعودة...................١٠٨
٥ - الحسنيُّ.. حلم
النَّسَب وشرعيَّة الدم...................١٠٩
٦ - من الحقيقة إلى
الادِّعاء...................١١٠
النتائج النفسيَّة
والعقائديَّة لظاهرة التطبيق على الأشخاص.. من الوهم إلى الإيمان
الناضج...................١١١
١ - الاضطراب بين الحُبِّ
والإيمان...................١١١
٢ - التناقض العقائديُّ..
من الانتظار إلى الادِّعاء...................١١٢
٣ - الهشاشة النفسيَّة بعد
الانكشاف...................١١٣
٤ - الانتظار مدرسة في
تهذيب المعنى...................١١٤
خاتمة الفصل
الرابع...................١١٥
الفصل الخامس: الرغبة في
رؤية الغيب في الحَدَث...................١١٧
حين يتحوَّل الخبر إلى
نبوءة...................١١٩
من الغيب إلى
العناوين...................١١٩
الإغراء السياسيُّ
للعلامة...................١٢٠
الإعلام كمنبرٍ جديدٍ
للتطبيق...................١٢١
من اليقين إلى التسلية
الغيبيَّة...................١٢٢
من التحليل إلى التأويل
الموجَّه.. كيف تُختزَل الفتنة في الخبر؟...................١٢٣
التأويل كوسيلةٍ
للسيطرة...................١٢٣
الخبر بوصفه معبوداً
جديداً...................١٢٤
الإعلام واللاَّهوت
الجديد...................١٢٥
أثر التأويل الموجَّه في
الوعي السياسيِّ...................١٢٦
آليَّة صناعة
التأويل الموجَّه...................١٢٦
بين الغيب
والسياسة...................١٢٧
نقد فلسفة التفسير
الحَدَثيِّ.. من الغيب إلى السُّنَّة، ومن المصادفة إلى
العبرة...................١٢٨
الخلل في منطق العلَّة
والغاية...................١٢٩
الغيب في القرآن.. حركةٌ
لا حادثةٌ...................١٣٠
من المصادفة إلى
العبرة...................١٣٠
استعادة المعنى المهدويِّ
الصحيح...................١٣١
خاتمة الفصل
الخامس...................١٣١
الفصل السادس: الجذر
النفسي لفكرة الأرض الموعودة...................١٣٣
من الحنين إلى المكان إلى
عبادة الجغرافيا...................١٣٥
من أرض الانتظار إلى أرض
الامتياز...................١٣٥
الحنين كآليَّة دفاعٍ من
الغياب...................١٣٦
من حُبِّ كربلاء إلى هوس
الطوبوغرافيا...................١٣٧
من بلادٍ صالحةٍ إلى بلادٍ
مختارةٍ.. التقديس السياسيُّ للأرض بين النصِّ والتأويل...................١٣٩
القداسة كأداةٍ
للتملُّك...................١٣٩
من النصِّ إلى
الخريطة...................١٤٠
الاصطفاء الجغرافيُّ.. بين
اليهوديَّة والمهدويَّة...................١٤١
من الفخر الوطنيِّ إلى
الغرور الدِّينيِّ...................١٤٢
استعادة المعنى القرآنيِّ
للأرض.. نحو رؤية توحيديَّة للأوطان والظهور...................١٤٤
الأرض في الوعي
القرآنيِّ...................١٤٤
الوطن بين الهويَّة
والمبدأ...................١٤٥
الظهور بوصفه عودة الأرض
إلى وحدتها...................١٤٥
من توحيد العقيدة إلى
توحيد الأرض...................١٤٦
الأرض التي لا
تُرى...................١٤٧
خاتمة الفصل
السادس...................١٤٧
الفصل السابع: الانهيار
الاجتماعي...................١٤٩
حين يتحوَّل الغيب إلى
أداة تفكيك المجتمع...................١٥١
١ - المرجعيَّة صمَّام
الأمان أمام الفوضى الغيبيَّة...................١٥١
٢ - تآكل الثقة حين
يُستبدَل المرجع بالمتكهِّن...................١٥٢
٣ - حين يضعف الاحتكام إلى
المرجعيَّة...................١٥٣
٤ - من حماية النصِّ إلى
حماية المجتمع...................١٥٣
٥ - الأُسَر كمرآةٍ
للأزمة...................١٥٤
الاستغلال السياسي.. حين
تتحوَّل المهدويَّة إلى خطابٍ للهيمنة والتعبئة...................١٥٥
المرجعيَّة بين الغيب
والسياسة...................١٥٥
من العقيدة إلى
التعبئة...................١٥٦
المرجعيَّة وحكمة
الصمت...................١٥٦
حين تتحوَّل المهدويَّة
إلى غطاءٍ للهيمنة...................١٥٧
السياسة حين تفقد البوصلة
الروحيَّة...................١٥٧
المرجعيَّة
والتوازن...................١٥٨
الانعكاس النفسي
والاجتماعي.. من القلق إلى الهوس الغيبيِّ...................١٥٩
بين الحاجة إلى الأمل
والوقوع في الوهم...................١٥٩
القلق الوجوديُّ وجاذبيَّة
التوقيت...................١٦٠
الانعزال النفسيُّ وصناعة
(الفرقة الناجية)...................١٦١
من التديُّن القَلِق إلى
الوعي الهادئ...................١٦١
أثر المرجعيَّة في علاج
الاضطراب الجمعيِّ...................١٦٢
المجتمع المتوازن.. بين
العقل والرجاء...................١٦٣
خاتمة الفصل
السابع...................١٦٣
الخلاصة...................١٦٥
المصادر
والمراجع...................١٦٩
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدَّمة المركز:
الحمد لله الذي جعل الانتظار باباً من أبواب اليقين، ومدرسة في تهذيب النفس،
وامتحاناً لصدق العبوديَّة، والصلاة والسلام على محمّد وآله الطاهرين، سيَّما
بقيَّة الله في أرضه (عجَّل الله فرجه).
إنَّ مسألة التوقيت والتطبيق من أكثر القضايا ارتباطاً بالعقيدة المهدويَّة،
وأكثرها حسَّاسيَّةً في تشكيل الوعي الاجتماعي والعقائدي، وقد مرَّت هذه الظاهرة
بمراحل متعدِّدة عبر التاريخ، لكنَّها في عصرنا الحالي اكتسبت بُعداً جديداً بفعل
سرعة انتقال المعلومة، وتضخُّم مساحة الإعلام الرقمي، وتزايد الميل إلى قراءة كلِّ
حَدَث سياسي أو طبيعي بوصفه (علامة) من علامات الظهور.
ولم يعد الأمر مجرَّد فضول، بل تحوَّل لدى بعض الأفراد والجماعات إلى منهج يزاحم
الإيمان الصحيح، ويضاعف القلق، ويستبدل الوعي بالتخمين، ويجعل الأخبار نبوءات،
والتحليلات حُجَجاً، والعاطفة غطاءً لادِّعاءات الغيب.
يأتي هذا الكتاب ليفتح نافذة على جذور الظاهرة ومظاهرها ونتائجها، ويُقدِّم معالجة
تقوم على العقل والنصِّ معاً، وتكشف ضعف
الأُسُس التي يبني عليها (الموقِّتون
والمطبِّقون) قراءاتهم، سواء تلك التي ترتبط بالأشخاص أو الأحداث أو الخرائط
الجغرافيَّة أو العلامات المتداولة في الوسط العامِّ.
ويمتاز هذا العمل بعدَّة مزايا تجعله مرجعاً مهمًّا في بابه:
أوَّلاً: التحليل العقلي والنفسي: يشرح الكتاب الدوافع النفسيَّة للاستعجال، وكيف
يتحوَّل القلق إلى توقيت، والحماسة الدِّينيَّة إلى تطبيق، والوهم إلى قناعة راسخة،
كما يتناول مسار التحوُّل من حُبِّ الإمام (عجَّل الله فرجه) إلى ادِّعاء العلم
بالغيب أو تشكيل جماعات مغلقة حول قائد أو رمز.
ثانياً: النقد الدلالي: يُفكِّك الكاتب النصوص التي يعتمد عليها الموقِّتون،
ويُبيِّن الفرق بين العلامة والعبرة، وبين الغيب الإلهي والحَدَث البشري، كما
يُوضِّح أنَّ التوقيت يخالف النصوص القطعيَّة، وأنَّ التطبيق غير المنضبط يبتعد عن
منهج أهل البيت (عليهم السلام).
ثالثاً: البُعد الاجتماعي والسياسي: يُظهِر المؤلِّف كيف ينتقل التوقيت من قناعة
فرديَّة إلى تيَّار فكري ثمّ إلى تنظيم سرِّي يمتلك لغته، وطقوسه، ورموزه، وكيف
ينعكس ذلك على الأُسرة، والمجتمع، وعدم الثقة بالمرجعيَّة، وصورة الدِّين، ويكشف
الكتاب عن الآثار الخطيرة التي يخلفها الهوس بالغيب على الهويَّة الدِّينيَّة
والاستقرار الاجتماعي.
رابعاً: استعادة المعنى الصحيح للانتظار: ينتهي الكتاب إلى إعادة
تظهير الانتظار
بوصفه عبادة عقليَّة وروحيَّة، لا عمليَّة استنتاجيَّة، وبوصفه مدرسة صبر، لا
(مشروعاً للتنبُّؤ)، وبوصفه وعياً متدرِّجاً لا استعجالاً، ويُؤكِّد أنَّ الرجوع
إلى المرجعيَّة هو الطريق الوحيد لضبط المفهوم وحماية المجتمع من الانحراف.
وقد ساهم مركز الدراسات التخصُّصيَّة في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) بتقديم
هذا الكتاب النفيس إلى القرَّاء الكرام، إيماناً بأهمّيَّته في زمن كثرت فيه
القراءات المتسرِّعة، وارتفعت فيه موجات التوقُّعات والتطبيقات، وأصبحت الحاجة
ماسَّة إلى خطاب علمي واعي.
ويتقدَّم المركز بجزيل الشكر والتقدير إلى سماحة الشيخ ميثم السلمان البحراني على
جهده المبارك في إعداد هذا الكتاب، وما بذله من تحليل، وتحقيق، ورصد دقيق للظواهر
التي تُشوِّه العقيدة المهدويَّة أو تُخلخِل سلامة الوعي الدِّيني.
ويدعو المركز جميع الباحثين والكُتَّاب والمهتمِّين بالشأن المهدوي إلى عرض
نتاجاتهم العلميَّة والدراسيَّة على لجان المركز المتخصِّصة، للمساهمة في طباعتها
ونشرها، ودعم حركة التأليف والتحقيق في هذا الحقل المعرفي المهمِّ، خدمةً للعقيدة،
وصيانةً للوعي، وإغناءً للمكتبة المهدويَّة.
مركز الدراسات التخصُّصيَّة
في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)
لم أكن أعلم أنَّ اللقاء القصير الذي جمعني بآية الله المرجع الدِّيني الراحل
السيِّد محمّد سعيد الحكيم (قدّس سرّه)، ذلك اليوم الذي بدا عابراً في ظاهره، سيكون
فاصلةً بين مرحلتين في نظرتي إلى الغيب، وأنَّ دقائق معدودة يمكن أنْ تُحدِث في
الفكر ما لا تُحدِثه سنوات من المطالعة والتدريس.
كانت في عينيه سكينة العلماء الذين لا يتكلَّمون إلَّا بوزن، وفي نبرته هيبةُ مَنْ
جرَّب طريق العلم حتَّى نهاياته، فعاد منه إلى الله أكثر يقيناً وأعمق تواضعاً.
جلستُ بين يديه في مطلع عام (٢٠١٢م)، أبحث عن جوابٍ لما رأيتُه من اضطرابٍ في فهم
بعض الناس للقضيَّة المهدويَّة، وعن ضوءٍ يهدي الفكر حين تتكاثر عليه الظلال. لم
يكن اللقاء طويلاً، لكنَّه ترك في القلب أثراً لا يزول؛ أربعون دقيقة كانت كأنَّها
عمرٌ آخر يُضاف إلى عمر العقل.
كنتُ يومها قد قصدتُ بيت المرجع الحكيم (قدّس سرّه) بصحبة سماحة العلَّامة السيِّد
محمّد القبانجي، وقد حضر اللقاء كلٌّ من سماحة العلَّامة الراحل السيِّد صالح
الحكيم (رحمه الله)، وسماحة العلَّامة الراحل السيِّد محمّد عليٍّ الحلو (رحمه
الله)، وسماحة العلَّامة السيِّد محمّد حسين الحكيم؛ وكانت تلك الصحبة تضفي على
المجلس من نور الحوزة ووقار العلماء ما يليق بمقام ذلك اللقاء.
طرحتُ عليه ما كنتُ أرى أنَّه سؤال العلماء المكلومين: ما موقع الجماعات التي تزعم
الاتِّصال بالإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) عن طريق المنام أو المشاهدة أو
المكاشفة؟ وما الحكم فيمن يزعم أنَّه واسطة بين الغيب والناس، يُوزِّع أوامرَ
الإمام بلسان الحلم والخيال؟ كنتُ أتساءل لا عن حكمٍ فقهيٍّ فحسب، بل عن مصيرِ وعيٍ
بدأ يتفلَّت من ضوابطه ويخلط بين الإلهام والادِّعاء.
طلبتُ منه نصيحة لمشروع ثقافي مهدوي، فنظر إليَّ السيِّد الحكيم (قدّس سرّه) بعينٍ
ساكنةٍ فيها عمق البحر إذا أطبق عليه الليل، ثمّ قال بعد صمتٍ امتدَّ كالتأمُّل:
(إنَّ من أخطر التهديدات لعقيدة الناس في الإمام المهدي هو التوقيت والتطبيق).
كانت العبارة كأنَّها جرس إنذارٍ خفيٍّ في أُفُق الوعي، كلمةٌ تختصر قروناً من
الغلط الذي تكرَّر في كلِّ عصر. سألته بتوجُّس: ماذا تعني بالتوقيت والتطبيق؟ فقال
بوضوحٍ لا يترك للالتباس مكاناً: (التوقيت أنْ تقول: إنَّ المهدي سيظهر في هذا
العام، أو بعد هذه الحرب، أو نحن في زمن الظهور. وأمَّا التطبيق، فهو أنْ تقول:
إنَّ فلاناً هو اليماني، أو ذاك هو الخراساني، أو هذا هو السفياني. كلُّ ذلك خطر
على العقيدة المهدويَّة، ومَنْ يفعله محاسَب شرعاً، لأنَّه يُحمِّل النصوص ما لم
تنطق به، ويجعل الغيب تابعاً لتأويل الهوى).
تلك اللحظة لم تكن مجرَّد لقاءٍ علميٍّ، بل كانت كأنَّها مرآة أُرغِمْتُ على أنْ
أرى فيها نفسي، وأرى كيف يمكن للعقل المتديِّن أنْ يقع في فخِّ الفضول إذا اقترب من
الغيب دون خشوع، وكيف يمكن
للمحبَّة نفسها أنْ تنقلب استعجالاً، وللإيمان أنْ
يتحوَّل رغبةً في الامتلاك. منذ ذلك اليوم، أدركتُ أنَّ الإشكال في الفكر المهدوي
ليس في الانتظار، بل في الاستعجال، وليس في الإيمان بالغيب، بل في الرغبة بتحديد
الغيب.
منذ تلك اللحظة بدأتُ أرى أنَّ التوقيت ليس خطأً حسابيًّا، بل خطأٌ وجوديٌّ في فهم
وظيفة الإنسان أمام الغيب. فالله تعالى قال في محكم التنزيل: ﴿يَسْئَلُونَكَ
عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا
يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ (الأعراف: ١٨٧)، وهذه الآية ليست
إخباراً عن جهلٍ بشريٍّ بوقت الحَدَث، بل عن حدودٍ وجوديَّةٍ للمعرفة، فالغيب ليس
مجهولاً لأنَّ الإنسان لم يسأل بما فيه الكفاية، بل لأنَّ الله جعل بينه وبين
الإنسان حجاباً من الرحمة يحول دون احتراقه بنور ما لا يُطاق علمه.
ولعلَّ أخطر ما في التوقيت أنَّه محاولةٌ لا شعوريَّةٌ لكسر ذلك الحجاب، كأنَّ
الإنسان حين يُوقِّت يُريد أنْ يقول: (إنِّي أُشارك الله في تدبير الزمن)، فيُحوِّل
الإيمان بالغيب إلى مشروعٍ لامتلاك الغيب. وهذا هو جوهر الخلل في العقل المهدوي حين
يفقد توازنه: أنَّه يطلب من الغيب أنْ ينصاع للزمن، بينما الإيمان يقتضي أنْ يخضع
الزمن للغيب.
كنتُ بعد اللقاء أستعيد كلماته في ذهني كما يُستعاد الدعاء في ساعة الخلوة. كلَّما
قرأت روايةً مهدويَّة أو وقفتُ على تأويلٍ عصريٍّ لها، تذكَّرتُ صوته وهو يقول:
(هذا خطر على العقيدة المهدويَّة)،
وكنتُ أرى أنَّ الخطر لا يكمن في القول نفسه، بل
في الروح التي تُنتِجه، روحٍ تريد أنْ ترى كلَّ شيءٍ الآن، وأنْ تفهم كلَّ شيءٍ
دفعةً واحدةً، فلا تصبر على حكمة الغيب، ولا ترضى بأنَّ لله في كلِّ شيءٍ توقيتاً
لا يُدرَك بالعقل ولا يُنقَض بالظنِّ.
وحين أطلتُ التأمُّل في معنى الزمن في النصِّ القرآني وجدتُ أنَّ الزمن في الكتاب
العزيز ليس مجرَّد حركةِ عقربٍ على ساعة، بل هو ساحة الامتحان الكبرى التي يتجلَّى
فيها الغيب دون أنْ يُفصَح عن نفسه. فالقرآن حين يتحدَّث عن الساعة، لا يُقدِّم لنا
جدولاً زمنيًّا، بل يُقدِّم لنا منهجاً في الوعي بالزمن. يقول تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ
بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ
كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ (الحجّ: ٤٧).
فالمسافة بين الغيب والزمان ليست مسافةَ تاريخٍ، بل مسافةُ معنى، ألف سنةٍ في
حسابنا قد تكون يوماً واحداً في حساب الله، ويومٌ واحدٌ في نظر الله قد يساوي
تاريخاً كاملاً في نظرنا. وهنا مكمن الغلط البشريِّ في كلِّ توقيتٍ: أنَّه يقيس
الغيب بمقاييس الدنيا، ويُدخِل الأبديَّ في معادلات الزمنيِّ، فيفقد الاتِّزان.
ومن هنا كان التوقيت في الفكر المهدويِّ أشبه بمحاولة لجرِّ الغيب إلى ضيق اللحظة،
كمَنْ يُريد أنْ يسكب البحر في كأسه. وأمَّا التطبيق فهو الوجه الآخر للغلط نفسه؛
إذ يحاول أنْ يُلبِس الغيبَ ثوب الواقع، فيُنزل الرموز السماويَّة على الأشخاص
والأمكنة، كأنَّه يقرأ
الغيب لا بوصفه وعداً مفتوحاً، بل بوصفه شفرةً سياسيَّةً
قابلة للفكِّ والتحليل.
لقد خرجتُ من ذلك اللقاء وأنا أشعر أنِّي خرجتُ من زمانٍ إلى زمان؛ فالكلمة التي
قالها السيِّد الحكيم (قدّس سرّه) لم تكن مجرَّد توجيه، بل كانت كأنَّها مفصلٌ بين
إدراكين: إدراكٍ يُقارب الغيب بعقل الباحث الذي يريد أنْ يفهم، وإدراكٍ آخر يُقارب
الغيب بقلب الموقن الذي يخشى أنْ يقترب أكثر ممَّا ينبغي. ومنذ ذلك الحين بدأتُ أرى
أنَّ على الباحث في القضايا المهدويَّة أنْ يحمل في يده ميزاناً أدقّ من ميزان
الذهب: ميزاناً يزن به المعنى لا بالأهواء، والانتظار لا بالأزمنة، والرواية لا
بالأحداث.
وقد علَّمتني التجربة أنَّ أخطر ما يُصيب الإنسان في ميدان العقيدة هو أنْ يخلط بين
الرجاء والفضول، فالرجاء بابٌ إلى الله، والفضول نافذةٌ إلى النفس، ومَنْ دخل الغيب
من باب الفضول خرج منه متوهِّماً أنَّه أدرك، بينما هو في الحقيقة تاهَ في شعابه.
قال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا
إِلَّا هُوَ﴾ (الأنعام: ٥٩)، وهذه المفاتيح لم تُخْفَ عن الإنسان حرماناً،
بل صيانةً له من فتنة العلم حين يتحوَّل إلى دعوى.
وفي ضوء هذه الرؤية، بدأتُ أقرأ ظاهرة التوقيت والتطبيق لا بوصفها خطأً في فهم
الروايات فحسب، بل بوصفها تعبيراً عن مأزقٍ إنسانيٍّ أعمق: مأزق الإنسان حين يريد
أنْ يتجاوز حدود جهله باسم
الإيمان، فيسعى لأنْ يجعل للغيب خريطةً في يده، وأنْ
يرسم لله توقيتاً في تقويمه، فيتحوَّل الانتظار إلى مطالبة، والإيمان إلى استحقاق،
والرجاء إلى استعجالٍ يُوشَك أنْ يُفسِد العقيدة كلَّها.
هنا، في هذا المفترق بين الغيب والزمن، وُلِدَت فكرة هذا الكتاب. ولعلِّي لم أكن
لأكتب فيه لو لم أسمع تلك الكلمة من السيِّد الحكيم (قدّس سرّه)، فهي التي جعلتني
أرى أنَّ القضيَّة ليست في ضبط الروايات أو تصحيح السند، بل في فهم العلاقة بين
الإنسان والغيبيِّ، بين العقل والسرِّ، بين المعلوم والمستور.
فالغيب، في جوهره، ليس موضوعاً للمعرفة فقط، بل ميداناً للتأدُّب، والزمن ليس وعاءً
للمستقبل فحسب، بل امتحانٌ للانتظار. ومن هنا كانت خطورة التوقيت أنَّه يُفسِد
الأدب مع الله في الغيب، وخطورة التطبيق أنَّه يُفسِد الأدب مع النصِّ في المعنى...
وكانت تلك هي البذرة الأُولى التي أنبتت في داخلي هذا السؤال الكبير: ما العلاقة
بين الغيب والزمن؟ ولماذا يلحُّ الإنسان على أنْ يعرف الساعة التي أخفاها الله؟
كلَّما حاولت أنْ أُجيب ازددتُ يقيناً بأنَّ في طبيعة الإنسان قلقاً وجوديًّا أمام
الزمن، كأنَّه يُريد أنْ يُمسِك باللحظة قبل أنْ تفلت، أو أنْ يعلو على محدوديَّته
بتوقُّع ما سيأتي. فالزمن بالنسبة إليه ليس مجرَّد تعاقب الساعات، بل هو مرآة خوفه
من المجهول. ولهذا كان أوَّل سؤالٍ في التاريخ عن الغيب، وأوَّل معصيةٍ نزعت إلى
العلم بما لا
يُعلَم. ومنذ ذلك الحين ظلَّ الإنسان يسأل: متى؟ متى يأتي الغيب؟ ومتى
ينتهي الانتظار؟ ومتى يُكشَف المستور؟
لكنَّ الله، بحكمته، جعل هذا السؤال قائماً ليبقى الإيمان حيًّا. فلو كُشِفَ الغيب،
لانتفت الحاجة إلى الصبر، ولانطفأ نور الرجاء، ولتحوَّل الوجود إلى حسابٍ رياضيٍّ
خالٍ من المعنى. إنَّ الغيب ليس ما نجهله فحسب، بل هو ما نحتاج أنْ نجهله كي
نستحقَّ المعرفة. لذلك قال تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ
السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا * فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا * إِلَى رَبِّكَ
مُنْتَهَاهَا﴾ (النازعات: ٤٢ - ٤٤)، فجعل سؤال (متى) سؤالاً معلَّقاً بين
الأرض والسماء، لا يُجاب عليه بالزمن، بل يُجاب عليه بالتزكية. كأنَّ الله يقول
لنا: إنَّ الطريق إلى معرفة الساعة لا يمرُّ بعقلكم، بل بقلوبكم، ولا يُقاس بالوقت،
بل بالنقاء.
وحين نتأمَّل في فلسفة الغيب، نجد أنَّ الله لم يُخفِه ليُحرمنا من الحقيقة، بل
ليُربِّينا على طاعةٍ لا تشترط الفهم، وعلى إيمانٍ لا يتَّكئ على البرهان
المادِّيِّ. فالغيب هو مجال التربية الكبرى للعقل الإنساني، فيه يُختبَر الصبر،
ويُوزَن الإيمان، وتُصفَّى الإرادة، والذين يلهثون وراء التوقيت، في حقيقتهم لا
يطلبون العلم، بل يهربون من عبء الجهل، ولا يبحثون عن الظهور، بل عن الطمأنينة
السهلة التي تعفيهم من جهاد الانتظار.
إنَّ فضول الإنسان لمعرفة الساعة ليس مجرَّد رغبةٍ في الاطِّلاع، بل هو نزعةٌ
قديمةٌ نحو السيطرة على المجهول. كلُّ توقيتٍ في حقيقته إعلانٌ ضمنيٌّ عن رغبة
الإنسان في أنْ يكون شريكاً لله في إدارة المصير.
ولذلك كان التوقيت محرَّماً، لا
لأنَّه خطأ في التنبُّؤ، بل لأنَّه انحراف في الموقع الوجوديِّ للإنسان: إذ يضع
نفسه موضع العليم، وينسى أنَّ علم الساعة عند ربِّه وحده، وأنَّ الغيب جزء من
السيادة الإلهيَّة التي لا تُشارَك.
ومن جهةٍ أُخرى، فإنَّ التطبيق - أي تنزيل الروايات على أشخاصٍ أو بلدانٍ أو أزمنةٍ
بعينها - ليس سوى محاولةٍ لتجسيد الغيب قبل أوانه، وإلباس الرموز ثوبَ الوقائع. وهو
خطرٌ مضاعف، لأنَّه لا يكتفي بانتهاك حدود العلم الإلهيِّ، بل يزرع الفتنة بين
القلوب، ويفتح في الجسد المؤمن شقوقاً من الشكِّ والريبة، إذ يُحوِّل النصَّ الذي
أُريد له أنْ يكون منارةً للهداية إلى رايةٍ للخصومة، ويُبدِّل الإيمان الذي يجمع
الناس على الانتظار إلى ظنونٍ تُفرِّقهم باسم الظهور.
لقد جرَّب الإنسان في كلِّ العصور أنْ يملأ صمته أمام الغيب بالكلام، فإذا به يصنع
أوهامه ثمّ يُصدِّقها. في القرن تلو القرن، ظهرت جماعاتٌ تُسقِط الروايات على
أشخاصٍ وأحداث، وتظنُّ أنَّها تُمهِّد للظهور وهي في الحقيقة تُضلِّل الانتظار. وما
علمت أنَّ أعظم تهيئةٍ للإمام ليست في تسمية الرجال ولا في رصد الخرائط، بل في
تربية القلوب على العدل، والعقول على الصبر، والمجتمع على التواضع أمام المجهول.
ومن هنا جاء هذا الكتاب ليقول بهدوءٍ ما قاله القرآن بصراحة: ﴿لَا
يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ (الأعراف: ١٨٧). أي إنَّ الله وحده
يُظهر الغيب حين يشاء، لأنَّ الغيبة لا يُعرَف إلَّا من طريق الله، ولا يُستنبَط
بالعقل ولا يُكشَف بالحدس، لأنَّ معرفته ليست غايةً عقليَّةً، بل ثمرةُ تزكيةٍ
روحيَّةٍ.
وكلُّ محاولةٍ لتجاوز هذا الحدِّ - سواء أكانت باسم العلم أو باسم الولاء أو باسم
التأويل - تُعيدنا إلى الخطيئة الأُولى: حين أراد الإنسان أنْ يأكل من شجرة المعرفة
قبل أنْ يُؤذَن له. ولهذا ظلَّت البشريَّة تُكرِّر السؤال نفسه بأسماء مختلفة: متى
الظهور؟ متى النهاية؟ متى تُرفَع الحُجُب؟ ولم تفهم أنَّ السرَّ ليس في الموعد، بل
في الاستعداد.
إنَّ الغيب مرآةٌ للإنسان أكثر ممَّا هو خفاءٌ عنه؛ فيه يرى حدود نفسه، فيه يُدرك
ضيق مداركه، فيه يتعلَّم أنَّ المعرفة ليست امتلاكاً، بل خدمة، وأنَّ الحكمة ليست
كشفاً، بل انتظار. والزمن، في هذا الأُفُق، ليس مجرَّد إطارٍ للأحداث، بل مدرسة
الأخلاق التي يتدرَّب فيها الإنسان على فنِّ التسليم. ولذلك كان الظهور المهدويُّ
وعداً مرتبطاً بتهيُّؤ الأرض، لا بتاريخٍ يُكتَب على الورق.
وحين يتعجَّل الناس في السؤال عن الساعة، فإنَّهم لا يسألون عن الزمن، بل عن
الخلاص؛ إنَّهم يريدون أنْ يتجاوزوا قلقهم الوجوديَّ باليقين المريح. لكنَّ الله
يريد لنا يقيناً متعباً، يقيناً يُبنى من التجربة لا من المواعيد، فالانتظار ليس
انفعالاً سلبيًّا، بل هو فعلٌ روحيٌّ يُعيد تشكيل الإنسان ليكون جديراً بالوعد.
وكلُّ توقيتٍ يسرق من الإنسان هذا الجهاد الباطن؛ ويُحرِّره من عبء الصبر الذي هو
لُبُّ الإيمان.
لقد علَّمني ذلك اللقاء أنَّ الغيب لا يُؤمَن به إلَّا إذا احترمناه،
وأنَّ احترامه
لا يكون إلَّا بالسكوت عند حدوده، وأنَّ السكوت عن الغيب ليس عجزاً، بل عبادة.
فالعقل الذي يعرف متى يصمت أمام السرِّ هو العقل الذي أدرك الحكمة. ومَنْ تعجَّل في
تفسير الغيب ابتُلي بفتنة العلم.
وفي ختام تلك التأمُّلات، تذكَّرت قول الإمام الجواد (عليه السلام) كما في
(الكافي): «أَفْضَلُ أَعْمَالِ شِيعَتِنَا انْتِظَارُ الْفَرَجِ»(١)، وتذكَّرت ما
رواه الصدوق (رحمه الله) في (الخصال) عن أمير المؤمنين (عليه السلام):
«اِنْتَظَرُوا اَلْفَرَجَ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اَلله، فَإِنَّ أَحَبَّ
اَلْأَعْمَالِ إِلَى اَلله (عزَّ وجلَّ) اِنْتِظَارُ اَلْفَرَجِ»(٢).
فالمنتظِر الحقيقيُّ ليس مَنْ يراقب الغيب بعينيه، بل مَنْ يُهذِّب نفسه ليكون في
صفِّ العدل حين يظهر العدل. ومن هنا كانت كلمة السيِّد الحكيم (قدّس سرّه) - تلك
التي قالها في نهاية اللقاء - هي ختام المقدَّمة وبداية الكتاب: (إيَّاك أنْ
تُوقِّت، وإيَّاك أنْ تُطبِّق، فإنَّ في كلِّ توقيتٍ هدماً لعقيدة، وفي كلِّ تطبيقٍ
مصادرةً للغيب الذي أراد الله أنْ يبقى غيباً حتَّى يُؤذَن له أنْ يُكشَف).
تلك الكلمة بقيت في قلبي تشتعل كبصيرة، تُذكِّرني أنَّ الطريق إلى الإمام ليس في
توقيت ظهوره، بل في تهذيب الوعي الذي ينتظره. ومن هنا يبدأ هذا الكتاب.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١) كمال الدِّين (ص ٣٧٧/ باب ٣٦/ ح ١).
(٢) الخصال (ص ٦١٦/ حديث أربعمائة).
ملاحظة:
قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «اَلْفُرْصَةُ تَمُرُّ مَرَّ اَلسَّحَابِ،
فَانْتَهِزُوا فُرَصَ اَلْخَيْرِ»(٣). ولقد مرَّ السحاب فوقي في عام (٢٠١٢م)، يحمل
مطر الخدمة لمولاي الإمام المهديِّ (عجَّل الله فرجه)، فلم أمدَّ كفِّي إليه، فمضى
كما تمضي المواسم حين تغفل الأرض عن السماء. يا ليتني أدركتُ أنَّ لحظةً في طريقه
تساوي عمراً بأكمله. أكتب هذه الكلمات لأقول لمن يقرؤني: إذا مرَّ بك نداءُ الإمام،
فلا تُصغِ لصوت التردُّد، ولا تُؤجِّل نيةَ النصرة؛ فإنَّ السحاب لا يعود، والفرصة
إذا مضت لا تُستعاد.
* * *
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣) نهج البلاغة (ص ٤٧١/ ح ٢١).
لم يكن هذا الكتاب وليد فكرةٍ عابرةٍ ولا نزوةِ تأمُّلٍ في زمنٍ تتكاثر فيه
التأويلات، بل هو ثمرةُ جرحٍ فكريٍّ ظلَّ مفتوحاً في الوعي المهدويِّ لسنواتٍ
طويلة. كنتُ أرى كيف تتقدَّم الخطابات المهدويَّة في وجدان الأُمَّة بوجهٍ مشرقٍ من
الرجاء، ثمّ تنكسر في بعض محطَّاتها حين تختلط عليها الموازين، فيتحوَّل الإيمان
إلى استعجال، والانتظار إلى توقيت، والتسليم إلى تطبيقٍ قسريٍّ على الواقع. ومن هنا
بدأتُ أُدرك أنَّ الانحراف لا يبدأ من ضعف النصوص، بل من ضعف التأويل، وأنَّ أخطر
ما يُصيب العقائد الكبرى هو أنْ تُقرَأ بعيونٍ صغيرةٍ، أو تُفسَّر بمقاييس السياسة
والحَدَث.
لم أكتب هذا الكتاب لأنقض أحداً بعينه، ولا لأردَّ على مدرسةٍ أو فكرٍ محدَّد، بل
لأقول: إنَّ الخطر في الفكر المهدويِّ لا يأتي من الخارج وحده، بل من الداخل أيضاً؛
من القلوب التي تُحِبُّ الإمام ولكنَّها تُخطئ الطريق إليه، ومن العقول التي تُريد
أنْ تخدم الغيب ولكنَّها تُقيِّده بخيالها. فليس كلُّ انحرافٍ يصدر من عدوٍّ ظاهر،
بل إنَّ بعض الانحراف يلبس ثوب الإخلاص المفرط، حتَّى يغدو صاحبه أشدّ ضرراً من
خصمه.
لقد عرفتُ، من خلال التجربة الطويلة في رصد الخطابات
الدِّينيَّة، أنَّ أعظم ما
يُهدِّد القضيَّة المهدويَّة ليس إنكارها، بل الإفراط في تفسيرها، وأنَّ الناس حين
يُكثِرون الكلام عن الظهور يفقدون القدرة على الصمت الذي هو شرط الإيمان، فالحديث
عن الغيب بلا ميزانٍ يُحوِّل الوعد الإلهي إلى مادَّةٍ للجدل، ويُفرغ الانتظار من
هيبته، حتَّى يصبح كلُّ خبرٍ سياسيٍّ أو اضطرابٍ عالميٍّ مدخلاً جديداً لقراءة
الروايات. وهكذا تتحوَّل النصوص من مناراتٍ للهداية إلى مجسَّاتٍ للتأويل، ومن
بشاراتٍ بالغيب إلى إشاراتٍ سياسيَّةٍ يعبث بها الخيال.
ولعلَّ ما يُوجِع في المشهد المهدويِّ المعاصر ليس قلَّة المعرفة، بل اختلال
المنهج؛ إذ لم يعد السؤال: (ما الذي قالته الروايات؟)، بل (كيف يمكن أنْ نجعل
الروايات تقول ما نُريد؟). إنَّه انزياحٌ خفيٌّ من التلقِّي إلى التصنيع، ومن البحث
عن الحقيقة إلى صناعة الحقيقة على مقاس الرغبة. ومن هنا تبدأ كلُّ فتنةٍ باسم
الغيب: حين نُحمِّل النصوص أكثر ممَّا تحتمل، ونطلب من الغيب أنْ يُصدِّق
تصوُّراتنا عنه.
هذا الكتاب محاولةٌ لردِّ الاعتدال إلى العقل المهدويِّ، ولبناء وعيٍ جديدٍ يُميِّز
بين الإيمان والعاطفة، بين الانتظار والتكهُّن، بين الوعد الإلهيِّ والرغبة
البشريَّة. إنَّنا نحتاج إلى أنْ نفهم أنَّ الغيب ليس مسرحاً للخيال الجمعيِّ، بل
ميداناً للتزكية الفرديَّة، وأنَّ الإيمان بالمهديِّ ليس انتظاراً لشخصٍ يأتي من
بعيد فحسب، بل التزامٌ عميقٌ بمشروعٍ إلهيٍّ يُربِّي الإنسان على التواضع أمام الله
والتعقُّل أمام النصوص.
لقد تعلَّمتُ من النصوص الشريفة أنَّ الله لا يُخبرنا بالغيب ليُشبع
فضولنا، بل
ليُطهِّر قلوبنا. قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ
لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ
يَشَاءُ﴾ (آل عمران: ١٧٩). فالغيب في جوهره ليس معرفةً يُتحصَّل عليها، بل
منزلةٌ من الأدب لا يبلغها إلَّا مَنْ طهرت سريرته. ومن هنا، فإنَّ أكبر إساءةٍ
للغيب هي أنْ نُحوِّله إلى مجالٍ للتكهُّن والتوقيت، لأنَّنا بذلك نُفرغ الغيب من
قدسيَّته ونُدخِله في دائرة الظنون البشريَّة التي لا تنضبط.
ولقد كان التوقيت، في كلِّ عصرٍ من عصور الغيبة، باباً من أبواب الفتنة الكبرى،
لأنَّه يَعِدُ الناس بأملٍ زائفٍ ثمّ يُسقِطهم في خيبةٍ مضاعفةٍ. والناس الذين
صدَّقوا الموقِّتين لم يكونوا خونةً لعقيدتهم، بل كانوا ضحايا لأملٍ غير ناضج، أملٍ
أراد أنْ يُقارب الله بمنطق التقويم الأرضيِّ، لا بمنطق الرحمة الإلهيَّة التي
تُدبِّر الأشياء في وقتها المعلوم.
إنَّ التوقيت يقتل روح الانتظار، لأنَّه يُحوِّل الفرج إلى موعد، ويُحوِّل الوعد
إلى جدولٍ زمنيٍّ بشريٍّ يتهدَّم عند أوَّل تأخير، ومتى فقد الإيمان عنصر المفاجأة،
فقد جوهره؛ لأنَّ الله لا يأتي إلَّا من حيث لا نحتسب، والفرج لا يكون فرجاً إذا
صار معروفاً مسبقاً.
أمَّا التطبيق، فهو الوجه الآخر للمرض نفسه؛ إذ يسعى إلى أنْ يجعل الغيب مشهديًّا
قبل أنْ يُؤذَن له بالظهور، فحين نقول: إنَّ فلاناً هو اليمانيُّ، أو إنَّ تلك
الدولة هي أرض الخراسانيِّ، أو إنَّ هذا الزمان هو زمن الظهور، فإنَّنا في الحقيقة
نُنزِّل الغيب من عليائه إلى مستوى الظنون، ونُحوِّل الشخصيَّات الإلهيَّة إلى
مقولاتٍ اجتماعيَّةٍ أو سياسيَّةٍ
تُستهلَك في الحاضر، ومن هنا تبدأ الفتنة، لأنَّ
كلَّ تأويلٍ يُغري بتأويلٍ آخر، وكلَّ تطبيقٍ يلد تطبيقاً جديداً، حتَّى تضيع
الحقيقة في زحام الادِّعاءات.
لقد أراد الله للغيب أنْ يبقى أُفُقاً مفتوحاً على الرجاء، لا خريطةً تُطوى على
الحوادث. فحين قال سبحانه: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ
عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً﴾ (الإسراء: ٥١)، لم يكن يُجيب على السؤال
بموعدٍ، بل كان يُعيد السائل إلى معنى القرب الإلهيِّ نفسه، لأنَّ القرب ليس بالزمن
بل بالتهيُّؤ. وكلُّ مَنْ أراد أنْ يُقرِّب الظهور بتطبيقٍ أو توقيتٍ إنَّما ابتعد
عنه في الحقيقة، لأنَّ القرب إلى الوعد لا يكون بالحساب، بل بالصفاء، ولا بالتحليل،
بل بالإصلاح.
إنَّ هذا الكتاب لا يريد أنْ يُغلِق باب التأمُّل في الروايات، ولا أنْ يُحجِّم
الفكر المهدويَّ في حدوده التاريخيَّة، بل أنْ يُعيد إليه توازنه بين النصِّ
والعقل، بين الرمز والواقع، فالقضيَّة المهدويَّة ليست سلسلة علاماتٍ فحسب، بل
منظومة قِيَمٍ أخلاقيَّةٍ وروحيَّةٍ ومجتمعيَّةٍ تُبنى عليها هويَّة المؤمن
المنتظِر، وإذا انحرف النظر إلى العلامات عن غايته الكبرى، تحوَّلت العقيدة إلى
بحثٍ عن الأخبار، لا إلى جهادٍ في تهذيب النفس.
القضيَّة ليست أنْ نعرف متى يظهر الإمام، بل أنْ نعرف لماذا غاب، لأنَّ في الجواب
على (لماذا) يكمن طريق (متى)، إنَّ الله لا يُؤخِّر الظهور عن ضعفٍ في الوعد، بل عن
قصورٍ في الاستعداد، وما من فتنةٍ
أصابت الأُمَّة إلَّا لأنَّها أرادت أنْ تختصر
طريق الغيب دون أنْ تُطهِّر دربها من الأوهام.
لقد طال الانتظار، لا لأنَّ الله غيَّر وعده، بل لأنَّ الإنسان غيَّر قلبه. ومن
هنا، فإنَّ كلَّ جهدٍ يُبذَل لفهم الغيبة لا بدَّ أنْ يبدأ من إصلاح الداخل قبل
النظر في الخارج، لأنَّ الخارج مرآة الداخل، والغيب ليس في السماء وحدها، بل في
القلوب التي لم تستعدّ لاستقبال النور بعد.
في هذا الكتاب، حاولتُ أنْ أقرأ الظاهرة المهدويَّة بعيونٍ ثلاث: بعينِ النصِّ التي
تحفظ قدسيَّته، وبعينِ العقل التي تزن معانيه، وبعينِ الواقع التي تشهد آثاره في
الناس، وأردتُ أنْ أُقدِّم نموذجاً للقراءة المهدويَّة التي تجمع بين الحذر والعمق،
فلا تُفرِّط في الغيب باسم العقل، ولا تُلغِ العقل باسم الغيب؛ لأنَّ الإسلام الذي
علَّمنا أنْ نسير على الصراط المستقيم، إنَّما علَّمنا التوازن بين التسليم
والتفكُّر، بين الغيب والشهادة، بين الرجاء والعمل.
هذه التوطئة ليست بياناً للدفاع، بل دعوة إلى الإنصات: أنْ نستمع إلى النصوص كما لو
كانت تُخاطبنا الآن، أنْ نسمع صوتها لا بآذان الحماسة، بل بعقلٍ يتذوَّق المعنى
ويخشى الخطأ. فإنَّ الغيب - كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام) - بحرٌ عميقٌ لا
يركبه إلَّا الراسخون في العلم، والذين يجهلون عمقه يظنُّون أنَّ الوصول إليه يكون
بخطوة، فإذا بهم يغرقون في أوَّل موجةٍ من ظنونهم.
لقد كُتِبَ هذا الكتاب ليكون دعوةً إلى تلك الرسوخيَّة في العلم التي تُعيد إلى
العقل الدِّينيِّ اتِّزانه، وإلى الإيمان رزانته، وإلى الانتظار معناه الأوَّل:
الانتظار الذي لا يُسقِط التكليف، ولا يُغري بالجمود، ولا يستبدل الغيب بالأخبار
العاجلة؛ لأنَّ مَنْ يطلب الغيب بلا عملٍ لا ينتظر الإمام، بل ينتظر المعجزة، ومَنْ
يطلب العلامة دون أنْ يُصلِح نفسه، فإنَّه ينتظر مخلِّصاً لا يعرفه.
وهكذا، أيها القارئ، ستجد في هذا الكتاب محاولةً لإعادة تعريف الانتظار، لا كحالةٍ
زمنيَّةٍ، بل كحالةٍ تربويَّةٍ أخلاقيَّةٍ عميقةٍ، ومحاولةً لتحرير الفكر المهدويِّ
من سطوة التوقيت والتطبيق اللَّذين شوَّها جوهر الفكرة في عقول الناس، فأفقداها
بساطتها الأُولى: أنْ تؤمن بعدلٍ سيملأ الأرض كما مُلِئَت ظلماً، لا أنْ تُحدِّد
الساعة التي يبدأ فيها العدل.
إنَّ أخطر ما يواجه الفكر المهدويَّ في هذا العصر هو غياب المنهج، لا غياب النصوص،
فالنصوص موجودة، محفوظة في بطون الكُتُب، لكنَّ العقول التي تتعامل معها لم تتعلَّم
بعدُ آداب القراءة في ساحة الغيب، نحن نقرأ الغيب أحياناً بعقل التاريخ، وأحياناً
بعين السياسة، وأحياناً بعاطفة الحنين، لكنَّ القليل منَّا يقرأه بعقل العبوديَّة،
ذلك العقل الذي لا يسأل الغيب عن موعده، بل يسأل نفسه عن استحقاقه.
إنَّ قراءة الروايات المهدويَّة ليست تمريناً على الفقه أو التأويل، بل
امتحانٌ للأمانة. لأنَّك حين تُفسِّر روايةً تتحدَّث عن الله، فإنَّك لا تكتب رأياً، بل تفتح باباً إلى العقيدة. ومن هنا، فإنَّ كلَّ مفسِّرٍ للغيب مسؤولٌ عن أثر كلمته في وعي الناس، وعن الظنِّ الذي قد يزرعه في قلوبهم. فالخطأ في الغيب ليس كغيره من الأخطاء، لأنَّه يُصيب منطقةَ الثقة بالله مباشرةً.
* * *
أركان التعامل مع الفكر المهدوي
ولذلك، سيجد القارئ في هذا الكتاب محاولةً لصياغة منهجٍ معرفيٍّ متكاملٍ في التعامل
مع الفكر المهدويِّ، يقوم على ثلاثة أركانٍ مترابطة:
أوَّلها: التوقيت العلميُّ، أي ضبط العلاقة بين النصِّ والعقل بحيث لا يتحوَّل
الاجتهاد إلى دعوى، ولا يتحوَّل التسليم إلى تعطيلٍ للفكر.
وثانيها: التحليل الوجوديُّ، أي إدراك البنية النفسيَّة التي تدفع الإنسان إلى
التوقيت والتطبيق: من أين يأتي هذا الفضول؟ ولماذا يُريد الإنسان أنْ يمتلك الغيب؟
وثالثها: المسؤوليَّة الاجتماعيَّة، أي الوعي بأنَّ الخطأ في العقيدة المهدويَّة لا
يُضِلُّ صاحبه وحده، بل يفتح باباً على المجتمع كلِّه؛ لأنَّ الغيب إذا اختلط
بالخرافة، تحوَّل الدِّين إلى فوضى.
سيُلاحظ القارئ أنَّ هذا الكتاب لا يكتفي بنقد الظواهر الفكريَّة، بل يتتبَّع
جذورها النفسيَّة؛ لأنَّ الإنسان حين يُخطئ في فهم الغيب، لا يُخطئ في النصِّ وحده،
بل في نفسه أوَّلاً، يظنُّ أنَّه يبحث عن
الله، بينما يبحث عن ذاته في الله، يطلب
الطمأنينة في يقينٍ جاهزٍ، لا في جهادٍ طويلٍ مع الأسئلة؛ ولهذا فإنَّ كلَّ دعوى
توقيتٍ أو تطبيقٍ تُخفي في جوهرها خوفاً من الانتظار؛ لأنَّ الانتظار الحقيقيَّ
فعلٌ من أفعال الإيمان الصعب، بينما التوقيت وعدٌ سهلٌ بالاطمئنان المؤقَّت.
وفي هذا السياق، تتجلَّى العلاقة الدقيقة بين الغيب والزمن، فالغيب ليس في
المستقبل، بل في القلب، والزمن ليس ما يمضي، بل ما يُربِّينا على الصبر، والإنسان
الذي يُريد أنْ يعرف متى الظهور، لا يُدرك أنَّه في كلِّ يومٍ يُختبَر في ظهوره
الشخصيِّ: هل يكون ناصراً للعدل إذا جاء؟ هل يكون قلبه طاهراً من الغلِّ حين يُرفَع
الحجاب؟ إنَّ الظهور لا يحدث حولنا فقط، بل فينا أيضاً.
ولهذا، فإنَّ مقاربة الغيب تحتاج إلى عقلٍ يُدرك أنَّ لله في كلِّ شيءٍ توقيتاً لا
يُستعجَل، وأنَّ مَنْ يستعجل لحظة الغيب يخسر بركتها. كما قال تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ
عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا
يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ (الأعراف: ١٨٧). هذه الآية ليست فقط
منعاً من السؤال، بل تعليمٌ للإنسان أنْ يتعلَّم الصمت حين يقترب من سرِّ الله،
فالصمت هنا ليس جهلاً، بل عبادة.
إنَّ العقل الذي يريد أنْ يقتحم الغيب دون إذنٍ هو كالعين التي تُريد أنْ تُبصر
الشمس مباشرةً، فتعمى من شدَّة النور؛ ولهذا فإنَّ الغيب لا يُدرَك إلَّا بالتدرُّج
في الطهارة: كلَّما زكت النفس انكشف لها من الحجاب بقدر صفائها. فالذين يُوقِّتون
الظهور قبل أنْ يُطهِّروا
أنفسهم، يُشبهون مَنْ يُريد أنْ يدخل قصراً من الضوء وهو
ما زال يحمل ظلامه في قلبه.
وهكذا، يُربِّي هذا الكتاب قارئه على نوعٍ من الوعي الهادئ، الذي لا يُغالط نفسه
بالشغف، ولا يُغريها بالغرابة؛ لأنَّ أكثر ما يُفسِد العقل المهدويَّ هو حُبُّ
الغرائب، وحين يصبح الغيب موضوعاً للتسلية أو الخرافة، يفقد قدسيَّته ويتحوَّل إلى
فرجة، إنَّ الغيب لا يُطِلُّ إلَّا على مَنْ يتهيَّأ له، ولا يُكشَف إلَّا لمن عرف
أنَّ الانتظار عبادةٌ لا حساباً.
ومن هنا، فإنِّني لا أرى هذا الكتاب دفاعاً عن العقيدة بقدر ما هو تذكيرٌ بأدب
الإيمان، لأنَّ العقائد لا تموت بالعداء، بل تموت حين تُفقِد أخلاقها، والعقيدة
المهدويَّة اليوم تحتاج إلى مَنْ يُعيد إليها أدبها قبل براهينها، لأنَّ أدب
الانتظار هو جوهرها، فالإمام لا يُنتظَر بالعجلة، بل بالتعفُّف عن القول فيما لا
نعلم، وبالسكوت عند حدود الله، وبالصدق في خدمة الإنسان.
سيجد القارئ أيضاً أنَّ هذا الكتاب لا يُعالج التوقيت والتطبيق كمسائل فكريَّة
فحسب، بل كأمراضٍ روحيَّةٍ كامنةٍ في النفس المؤمنة حين تخلط بين المحبَّة
والامتلاك. فالمحبُّ الصادق لا يستعجل اللقاء، لأنَّه يعلم أنَّ المحبوب لا يُزار
بغير إذنه، ومن هنا كانت الغيبة رحمةً أكثر منها غياباً؛ لأنَّها تُربِّي القلوب
على الصبر، وتُطهِّر الحُبَّ من شهوة التملُّك.
وفي تحليل هذه الظاهرة، سنرى أنَّ كلَّ توقيتٍ في التاريخ ارتبط
بحالةٍ من التوتُّر
الاجتماعيِّ والسياسيِّ والنفسيِّ، كأنَّ الجماعة تبحث في الغيب عن خلاصٍ من
الحاضر، فتُسقِط عليه أمانيها. لكنَّ الغيب لا يُستدعى بالدعاء وحده، بل بالعمل،
ولا يُختصَر بالتحليل السياسيِّ؛ لأنَّه مشروعٌ ربَّانيٌّ يتجاوز الزمان والمكان.
إنَّ هذا الكتاب يُوجِّه رسالته إلى الباحثين في الحوزة، كما يُوجِّهها إلى
المثقَّفين، وإلى كلِّ مَنْ يحمل في قلبه همَّ الفكرة المهدويَّة، ليقول لهم: إنَّ
طريق المعرفة لا يُختصَر، وإنَّ طريق الإمام لا يُسلَك بالظنِّ، الغيب ليس ملكاً
لأحد، ولا يُنطَق باسمه إلَّا بإذنٍ، ومَنِ ادَّعى أنَّه يملك مفاتيحه، فقد ادَّعى
ما لم يُعْطَ لأحدٍ من العالمين.
وما أحوجنا اليوم إلى أنْ نُعيد ترتيب علاقتنا بالغيب، فنفهم أنَّ الله لا يُحِبُّ
مَنْ يُلاحِق الأسرار، بل مَنْ يحفظها. إنَّ الدِّين كلُّه أدب، والغيب أرفع درجات
الأدب، وكلَّما ازددنا علماً، وجب أنْ نزداد صمتاً. ولهذا، فإنَّ أعظم العلماء هم
أكثرهم تواضعاً أمام المجهول، لأنَّهم يعرفون أنَّ الجهل بالسرِّ لا يُنقِص من
الإيمان، بل يُثبِّته.
لقد فقدت العقيدة المهدويَّة في بعض الأوساط توازنها لأنَّها أُشبعت تأويلاً
وأُفقرت خشوعاً، وأُكثرت فيها القراءات وقلَّ فيها الورع. ومن هنا، فإنَّ استعادة
الورع في الفكر المهدويِّ هي المهمَّة الكبرى التي يحاول هذا الكتاب أنْ ينهض بها:
أنْ يُعيد إلى الانتظار روحه، وإلى الغيبة معناها، وإلى الغيب حرمته.
في النهاية، لستُ أكتب هذا الكتاب بوصفه خلاصة رأيٍ
شخصيٍّ، بل بوصفه شهادةَ زمنٍ
على زمن، لقد مرَّت العقيدة المهدويَّة بقرونٍ من التراكم والتأويل، حتَّى غدت أشبه
بمجرَّةٍ من الروايات والتصوُّرات، ومن واجبنا في هذا العصر أنْ نُعيد ترتيب هذه
المجرَّة وفق ضوءٍ واحدٍ: ضوء التوحيد؛ لأنَّ كلَّ حديثٍ عن الإمام هو في جوهره
حديثٌ عن الله، وكلَّ انحرافٍ في المهدويَّة هو في عمقه انحرافٌ في فهم
الأُلوهيَّة.
فالله الذي أخفى ساعة الظهور إنَّما أخفاها ليبقى الأمل حيًّا، وليبقى الإنسان
سائراً نحوه في كلِّ لحظةٍ دون يقينٍ نهائيٍّ يوقفه، وإذا كان بعض الناس يرون الغيب
باباً مغلقاً، فإنَّ المؤمن يراه باباً مفتوحاً على العمل، وكلُّ مَنْ قال: إنَّ
الغيب غيابٌ فقد جهل سرَّه؛ إنَّه الحضور الأسمى، ولكن في مستوى لا يُدركه مَنِ
استعجل الوصول.
ومن هنا، أيُّها القارئ العزيز، أدعوك إلى أنْ تدخل فصول هذا الكتاب لا لتبحث عن
الأسماء، ولا لتقيس الروايات بالأحداث، بل لتتأمَّل كيف يمكن للوعي أنْ يستعيد
توازنه، وللإيمان أنْ يستعيد أدبه، وللعقل أنْ يتعلَّم التواضع أمام الغيب؛ لأنَّ
هذا الكتاب، في جوهره، ليس بحثاً في الغيبة، بل تربيةٌ على الأدب أمام الله، الذي
قال: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا
إِلَّا هُوَ﴾ (الأنعام: ٥٩).
وإذا خرجتَ من هذا الكتاب بشعورٍ أعمق بالخضوع، وبسكينةٍ أكبر تجاه المجهول، فاعلم
أنَّك قد فهمتَ الرسالة، فليس المقصود أنْ
تعرف أكثر، بل أنْ تُخطئ أقلّ، وليس الهدف أنْ تكتشف موعد الظهور، بل أنْ تُهيِّئ قلبك ليكون مستحقًّا له، ذلك هو الطريق، وتلك هي الغاية.
* * *
لم يكن التوقيت في جوهره خطأً زمنيًّا فحسب، بل هو خطأٌ في فهم العلاقة بين الإنسان
والقدر، بين المخلوق والزمن، بين الرغبة والحكمة، فحين يسعى الإنسان لأنْ يُحدِّد
ساعة الغيب، فإنَّه في الحقيقة لا يبحث عن العلم، بل يبحث عن السيطرة، يريد أنْ
يُخضِع المجهول لمقاييس إدراكه المحدود، وأنْ يُحوِّل الانتظار إلى يقينٍ مُبرمجٍ
لا يُفاجئه بشيء، إنَّها محاولةٌ للفرار من القلق الأزليِّ أمام المجهول، لأنَّ
الإنسان لا يحتمل المعلَّق، لا يحتمل الفاصل بين المعرفة والجهل، فيملأ الفراغ
بالتخمين، ومن هنا بدأ التوقيت؛ من حاجةٍ نفسيَّةٍ أكثر منها فكريَّة، ومن عطشٍ إلى
الطمأنينة أكثر منه بحثاً عن الحقيقة.
لقد أراد الله للغيب أنْ يكون امتحاناً للعقل، لكنَّ بعض العقول أرادت أنْ تُعيد
صياغة الامتحان على طريقتها، أنْ تجعل المجهول معلوماً، والمنتظَر محدَّداً، والزمن
خاضعاً لمعادلاتها، وهنا يُولَد الوهم الذي يختلط فيه الإيمان بالغرور؛ لأنَّ مَنْ
يُريد أنْ يعرف ما لم يُؤذَن له بمعرفته، إنَّما يزعم ضمناً أنَّه شريكٌ في علم
الله. ولهذا قال الإمام
الصادق (عليه السلام): «كَذَبَ اَلْوَقَّاتُونَ»(٤)، كلمةٌ
قصيرةٌ، لكنَّها كالسيف القاطع تفصل بين حدِّ الإيمان وحدِّ الادِّعاء.
وليس الكذب هنا مجرَّد خطأٍ في المعلومة، بل هو كذبٌ (Ontological)، كذبٌ في
الوجود، لأنَّ مَنْ يُوقِّت يتحدَّث في منطقةٍ لا يملك فيها لساناً، ويدَّعي النظر
في غيبٍ لم يُفتَح له بابه، هو كذبٌ في علاقة العبد بربِّه قبل أنْ يكون كذباً في
اللفظ أو الحساب. فالوقَّات لا يكذب على الناس فحسب، بل يكذب على الله حين يُوهِم
نفسه أنَّه يملك معرفةَ ما حجب الله عنه، فينطق بلسانٍ لم يُؤذَن له بالكلام، ولهذا
كان التحذير في الروايات صارماً، لا لأنَّه مجرَّد نهيٍ أخلاقيٍّ، بل لأنَّه دفاعٌ
عن حرمة الغيب.
إنَّ ظاهرة التوقيت ليست جديدة، بل هي قديمةٌ قِدَم القلق البشريِّ، ففي كلِّ زمنٍ
كان هناك مَنْ يريد أنْ يُعجِّل الوعد، أنْ يُعلِن النهاية، أنْ يُمسِك بمفاتيح
الساعة التي لم يُوكَّل بها أحد. من أيَّام الأنبياء إلى عصور الأئمَّة، ظلَّ هذا
الصوت يتكرَّر بأشكالٍ مختلفةٍ: (اقتربت الساعة)، (ظهرت العلامة)، (انتهى الزمن)،
حتَّى صار الزمن نفسه أسيراً لتوقُّعات الإنسان، كأنَّ العقل البشريَّ يُعيد رسم
القدر على صورته.
ولعلَّ أوَّلَ جذور التوقيت كانت في السؤال القرآنيِّ القديم:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤) الكافي (ج ١/ ص ٣٦٨/ باب كراهية التوقيت/ ح ٣).
﴿يَسْئَلُونَكَ
عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ (النازعات: ٤٢). كان السؤال في ظاهره
نابعاً من الفضول، لكنَّه في جوهره كان تمرُّداً على الغيب؛ لأنَّ السائل لا يسأل
عن الساعة ليتَّعظ، بل ليسبقها، ليُفلِت من مفاجأتها؛ ولذلك جاء الجواب إلهيًّا
صارماً: ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا * إِلَى رَبِّكَ
مُنْتَهَاهَا﴾ (النازعات: ٤٣ و٤٤). أي: إنَّ السؤال في ذاته غير مشروعٍ
إلَّا في حدوده التربويَّة، لأنَّ الإنسان حين يسأل عن الساعة وهو لم يستعدّ لها،
يكون كمن يسأل عن النتيجة قبل أنْ يجتهد في العمل.
ثمّ تكرَّر السؤال في صورٍ أُخرى عبر التاريخ، حتَّى بلغ ذروته في العصور التي
اشتدَّ فيها الظلم، إذ يصبح الغيب في وعي الناس وعداً بالتعويض، والمهدي رمزاً
للخلاص الآتي، وحين يطول الظلم، يُريد الناس أنْ يُعجِّلوا العدالة، فيستدعون الغيب
إلى حاضرهم، فيخلقون التوقيت. فالتوقيت في أحد وجوهه هو صرخة المظلوم الذي تعب من
الصبر، لكنَّها حين تتجاوز حدود الإيمان تصبح فتنةً، لأنَّها تُحوِّل الرجاء إلى
استحقاق، وتُحوِّل الله إلى تابعٍ لتوقيتات البشر.
ولذلك، كان كلُّ توقيتٍ في التاريخ يُولَد من رحم أزمةٍ اجتماعيَّةٍ أو فكريَّةٍ أو
سياسيَّةٍ، ثمّ يلبس لباس الدِّين ليمنح الناس أملاً عاجلاً، وبهذا يصبح التوقيت
وسيلةَ تسكينٍ نفسيٍّ أكثر منه مشروعاً إيمانيًّا، فالناس الذين يُوقِّتون لا
يفعلون ذلك بالضرورة لأنَّهم لا يؤمنون، بل
لأنَّهم يؤمنون بشدَّةٍ تفوق احتمالهم،
إيمانٍ يلهث وراء النتائج، ولا يصبر على المسار.
وإذا عدنا إلى التجربة التاريخيَّة، نجد أنَّ التوقيت بدأ كهمسٍ في أطراف الوعي،
ثمّ تحوَّل إلى خطابٍ عامٍّ في بعض الأزمنة، حين أصبح انتظار الإمام عند بعضهم
انتظاراً للموعد لا انتظاراً للإصلاح. فبدل أنْ يكون الإيمان بالمهدويَّة باعثاً
على العمل، صار عند بعضهم تعويضاً عن العمل، وهذه هي المفارقة التي أراد الأئمَّة
(عليهم السلام) أنْ يُحذِّروا منها بعبارةٍ واحدةٍ قاطعةٍ: «كَذَبَ
اَلْوَقَّاتُونَ»(٥).
تلك الكلمة تختصر فلسفة الغيب كلِّها؛ لأنَّها تُعيد الإنسان إلى موقعه الطبيعيِّ
أمام الله: موقع الجهل الشريف، فهناك جهلٌ مذمومٌ هو جهل الغفلة، وهناك جهلٌ ممدوحٌ
هو جهل الأدب؛ الجهل الذي يقرُّ بحدوده، فلا يمدُّ يده إلى ما لم يُؤذَن له فيه،
ومن هنا نفهم أنَّ التوقيت ليس فقط انحرافاً معرفيًّا، بل انحرافٌ في الأخلاق
أيضاً، لأنَّه يُخِلُّ بآداب العبوديَّة، إذ يجعل من العقل البشريِّ حاكماً على
إرادة الله.
ولذلك، حين قال الإمام الصادق (عليه السلام): «كَذَبَ اَلْوَقَّاتُونَ، وَهَلَكَ
اَلمُسْتَعْجِلُونَ، وَنَجَا اَلمُسَلِّمُونَ»(٦)، كان يرسم ثلاث درجاتٍ من الوعي:
الكاذب هو الذي تجاوز الحدَّ فادَّعى العلم، والمستعجل هو
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥) الكافي (ج ١/ ص ٣٦٨/ باب كراهية التوقيت/ ح ٣).
(٦) الكافي (ج ١/ ص ٣٦٨/ باب كراهية التوقيت/ ح ٢).
الذي استعاض عن الإيمان
بالانتظار باليقين الوهميِّ، أمَّا المسلِّم فهو الذي سلَّم الأمر إلى الله فعاش
الغيب كعبادةٍ لا كمسألةٍ رياضيَّةٍ.
إنَّ التوقيت، حين يتحوَّل إلى ثقافة، يُصيب الوعي الجماعيَّ بالشلل، لأنَّ الناس
ينتظرون موعداً بدل أنْ ينتظروا تكليفاً، ويصبح الانتظار حالةَ جمودٍ لا حركة، إذ
يُختصَر المشروع الإلهيُّ في سؤالٍ واحد: متى؟ بينما السؤال الحقيقيُّ الذي أراد
الله أنْ نطرحه هو: كيف؟ كيف نتهيَّأ؟ كيف نصبر؟ كيف نُصلِح؟
ولأنَّ الناس لا تحتمل الفراغ، فإنَّ كلَّ زمنٍ يخلو من يقينٍ واضحٍ يملؤه
الموقِّتون، فينتشر بينهم ما يُسمَّى بـ (العلم بالعلامات)، والحقُّ أنَّ أكثر ما
يُغري الناس بالتوقيت هو ظنُّهم بأنَّ العلامات خارطة، وأنَّ بإمكانهم أنْ يسيروا
بها إلى النهاية. ولكنَّ العلامات لم تكن يوماً دعوةً إلى الحساب، بل إلى التأمُّل،
هي إشاراتٌ تربويَّةٌ لا جداول زمنيَّة، ومَنْ يقرأها كمواقيت يُخطِئ مقصدها.
ومن هنا نفهم أنَّ التحذير النبويَّ والأئمِّيَّ من التوقيت لم يكن مجرَّد تحفُّظٍ
على معلومةٍ مجهولةٍ، بل دفاعاً عن بنية الإيمان نفسها؛ لأنَّ الإيمان لا يعيش
إلَّا على الحافَّة بين العلم والجهل، بين الأمل والاحتمال، فإذا صار كلُّ شيءٍ
معلوماً، لم يبقَ للإيمان معنًى؛ لأنَّ الإيمان يعيش من مساحة (اللَّايقين الجميل)
التي تُتيح للإنسان أنْ يعمل دون أنْ يرى.
وقد كان في التراث المهدويِّ نماذج عديدة لمن تورَّطوا في
التوقيت، لا عن خبثٍ، بل عن حماسٍ غير منضبط، فظنُّوا أنَّهم يُحسِنون صنعاً، ثمّ أدركوا بعد فوات الأوان أنَّهم فتحوا أبواب الفتنة، وقد اشتهر في القرنين الثالث والرابع الهجري(٧) ظهورُ بعض الأفراد الذين حاولوا توقيت الظهور أو ادَّعوا العلم بزمانه، وربطوه بعلاماتٍ سياسيَّةٍ واجتماعيَّةٍ ظنُّوها قريبةَ الظهور، فلم يتحقَّق شيءٌ منها، فخمدت الآمال، وضعفت الثقة، وتكاثرت التساؤلات، ومن هنا جاء خطر التوقيت الحقيقيِّ: ليس في كذب المعلومة، بل في أثرها على النفوس حين تخيب، لذا فقد حذَّرت النصوص الإماميَّة من أمثالهم تحذيراً شديداً.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٧) ومن أبرز مَنْ عُرِفُوا بمحاولات التوقيت في القرنين الثالث والرابع الهجري:
محمّد بن نصير النميري الذي ادَّعى النيابة عن الإمام المهديِّ (عجَّل الله فرجه)
بعد الإمام العسكريِّ (عليه السلام)، وزعم قرب الظهور. راجع: الغيبة للطوسي (ص
٣٩٥)، ورجال النجاشي (ص ٣٢٨).
وأحمد بن هلال العَبْرِي الكَرْخي الذي أنكر النيابة الثالثة والرابعة، وعدَّ
الظهور وشيكاً، فورد بلعنه توقيعٌ من الإمام (عجَّل الله فرجه). راجع: الغيبة
للطوسي (ص ٢١٤ - ٢٢٢).
ومحمّد بن عليٍّ الشلمغاني الذي حدَّد زمناً لقيام القائم، فصدر بلعنه توقيعٌ آخر.
راجع: الغيبة للطوسي (ص ٢٤٥ - ٢٤٩).
والحسين بن منصور الحلَّاج الذي تحدَّث بلغة صوفيَّة عن قيام قائم من الشرق في
أُفُقٍ قريبٍ. راجع: مروج الذهب (ج ٤/ ص ٣٤٣).
وتُجمَع المصادر الإماميَّة على أنَّ هؤلاء كانوا من الوقَّاتين المنحرفين الذين
حذَّرت منهم التوقيعات الشريفة بقولها: «كَذَبَ اَلْوَقَّاتُونَ، إِنَّا أَهْلُ
بَيْتٍ لَا نُوَقِّتُ». الكافي (ج ١/ ص ٣٦٨/ باب كراهية التوقيت/ ح ٣).
فالخطر ليس في أنْ يقول أحدهم: (سيظهر الإمام بعد عام)، بل في أنَّ الناس حين لا
يرونه بعد العام، يظنُّون أنَّ الإمام هو الذي تخلَّف عن الموعد، لا الموقِّت الذي
كذب، وهنا يبدأ الخلل الإيمانيُّ العميق: يتحوَّل الرجاء إلى شكٍّ، ويتحوَّل الشكُّ
إلى فتورٍ، وتتحوَّل الفتنة من لفظٍ إلى واقعٍ. ولذلك، كان التحذير الإلهيُّ في
غاية الدقَّة حين قال: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا
يُؤْمِنُونَ بِهَا﴾ (الشورى: ١٨)، أي إنَّ الاستعجال في ذاته علامة ضعف
الإيمان، لأنَّ المؤمن الحقيقيَّ لا يطلب الموعد، بل يعيش العمل إلى أنْ يأتي
الموعد.
إنَّ التوقيت ليس خطأً في الحساب، بل أزمةٌ في العلاقة بين الإنسان والزمان، لأنَّ
الموقِّت يُريد أنْ يُصبِح شريكاً في القرار الإلهيِّ، في حين أنَّ الإيمان هو أنْ
تُسلِّم التوقيت لله، وتكتفي بأنْ تكون في الموعد دائماً وإنْ لم تعرف متى يأتي،
إنَّ التوقيت لا يُولَد من فراغٍ فكريٍّ ولا من جهلٍ بالنصوص فحسب، بل من قلقٍ يسكن
في أعماق النفس المؤمنة حين يطول الصمت الإلهيُّ.
فالموقِّت في حقيقته ليس عدوًّا للغيب، بل أسيرٌ له، يحاول أنْ يُحطِّم جدار
الانتظار بمعرفةٍ مبكِّرةٍ تُريحه من التوتُّر. إنَّه لا يُريد أنْ يرى الغيب، بل
أنْ يتخلَّص من جهله به، ولهذا فإنَّ التوقيت ليس حُبًّا للعلم بقدر ما هو كرهٌ
للجهل، وشتَّان بين مَنْ يسعى إلى العلم تعبُّداً، ومَنْ يسعى إليه هروباً من قلقه.
الإنسان بطبعه لا يحتمل الفراغ الزمنيَّ؛ لأنَّ الزمن بالنسبة إليه
ليس مجرَّد مرورٍ للأحداث، بل هو مقياس الوجود ذاته، وكلُّ ما لا يُحدَّد بزمانٍ يظلُّ عالقاً في الوعي كقلقٍ مفتوح؛ لهذا، فإنَّ الغيبة الطويلة للإمام المهديِّ (عجَّل الله فرجه) تُصبِح في الوعي النفسيِّ امتحاناً للثبات؛ لأنَّها تُجرِّد الإيمان من المواعيد، وهنا يظهر الموقِّت، بوصفه ابناً لهذا القلق الجمعيِّ، يُريد أنْ يُعيد للزمن حدوده، أنْ يضع على صفحة الغيب تاريخاً يُسكِّن اضطرابه الداخليَّ.
* * *
لقد خلق الله في الإنسان نزعتين متناقضتين: نزعة الرجاء ونزعة السيطرة، فإذا غلبت
الأُولى، عاش الإنسان مؤمناً منتظِراً، وإذا غلبت الثانية، صار موقِّتاً متحذلقاً،
يريد أنْ يتحكَّم حتَّى في المواعيد الإلهيَّة. والتوقيت هو ابن السيطرة المقنَّعة
بالإيمان، لأنَّه يُخفي في باطنه رغبة الإنسان في أنْ يكون شريكاً لله في إدارة
الوقت، ولذلك كانت خطيئة الموقِّت من نوعٍ آخر: ليست خطأً في الحساب، بل تجاوزٌ
لمقام العبوديَّة.
في كلِّ توقيتٍ رغبةٌ في الاطمئنان المزيَّف؛ لأنَّ النفس التي لا تصبر على الغيب
تبحث عن بديلٍ مادِّيٍّ يُغلِق الأسئلة، والموقِّت يظنُّ أنَّه حين يُحدِّد الزمان
يُقرِّب الفرج، بينما هو في الحقيقة يقتل معنى الانتظار. فالإيمان بالمهديِّ هو
إيمانٌ مفتوحٌ على الأبد، لا يُختصَر في تقويمٍ ولا في رقم، لأنَّه وعدٌ يتجاوز
الزمن. وكلُّ محاولةٍ لتحديده هي تقزيمٌ لذلك الأُفُق الرحب الذي أراده الله أنْ
يبقى سرًّا.
ثمّ إنَّ الموقِّت لا يُدرك أنَّه حين يُوقِّت، إنَّما يُمارس نوعاً من (التمثيل
النفسيِّ) للظهور، أي إنَّه يُحقِّق في خياله ما لم يتحقَّق في
الخارج، فهو يستعجل
المعنى بالوهم حين يعجز عن احتماله باليقين، ولهذا فإنَّ كلَّ توقيتٍ هو في جوهره
عزاءٌ نفسيٌّ جماعيٌّ؛ لأنَّه يُنقِذ الوعي من عبء الانتظار الطويل بجرعةٍ من
اليقين المؤقَّت، لكنَّ هذا اليقين لا يدوم، وسرعان ما ينقلب إلى خيبة، ثمّ إلى
شكٍّ، ثمّ إلى فتورٍ في الإيمان، ولهذا كان التوقيت أخطر على العقيدة من الأعداء،
لأنَّ العدوَّ يُهاجم الإيمان من الخارج، والموقِّت يُخربه من الداخل باسم
المحبَّة.
وحين نقرأ التاريخ، نجد أنَّ كلَّ توقيتٍ كان يبدأ بلهفةٍ صادقةٍ وينتهي بانكسارٍ
جماعيٍّ للثقة أو انحراف مستدام، فالموقِّت يُشعِل في القلوب أملاً كبيراً، ثمّ
يتركها بعد الفشل رماداً، وهكذا يزرع في الأُمَّة داء التردُّد بين التصديق
والتكذيب، بين الرجاء واليأس، وهذا ما قصده الإمام (عليه السلام) حين قال: «كَذَبَ
اَلْوَقَّاتُونَ»(٨)، أي إنَّهم لم يُصدِقوا في التبليغ عن الله، بل صدَّقوا
أوهامهم ونسبوها إلى الله، والكذب هنا ليس مقصوداً به نيَّة الخداع، بل وقوع الخداع
في القلب دون وعي.
إنَّ علم النفس الإيمانيِّ يُبيِّن أنَّ التوقيت ظاهرةٌ دفاعيَّةٌ تُنتِجها النفس
حين تعجز عن احتمال الانتظار؛ لأنَّ الانتظار في ذاته موقفٌ صعبٌ، يتطلَّب يقيناً
صلباً وعميقاً، وصبراً بلا موعد محدَّد؛ لذلك، فإنَّ أغلب مَنْ وقع في التوقيت لم
يكونوا من منكري الإمام، بل من محبِّيه، لكنَّهم أرادوا أنْ يُحوِّلوا الحُبَّ إلى
موعدٍ محسوسٍ كي يُخفِّفوا عن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٨) الكافي (ج ١/ ص ٣٦٨/ باب كراهية التوقيت/ ح ٣).
أنفسهم عناء الشوق، فكانت النتيجة أنَّهم أساؤوا إلى
الفكرة باسم الغيرة عليها.
والعجيب أنَّ التوقيت كلَّما فشل عاد في ثوبٍ جديد؛ لأنَّ الإنسان يكره أنْ يعترف
بجهله، فيُبرِّر الفشل بتأويلٍ جديد: (أخطأنا في الحساب)، (الروايات رمزيَّة)،
(العلامة لم تتحقَّق بعد)، فيتحوَّل الخطأ إلى دائرةٍ مغلقةٍ لا تنتهي. وهكذا
يتحوَّل التوقيت إلى منظومةٍ فكريَّةٍ كاملةٍ تُبرِّر نفسها باستمرار، حتَّى يغدو
الموقِّت مريضاً بـ (اليقين المستمرِّ) الذي لا يعرف التراجع.
ولعلَّ أخطر ما في التوقيت أنَّه يُنتِج ثقافةَ حرق المراحل، والاستعجالَ ضدَّ
سُنَّة الله في الخلق، لأنَّ الله يُنضِج الأحداث كما يُنضِج الثمار، لا يُعجِّلها
قبل أوانها. قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً *
وَنَرَاهُ قَرِيباً﴾ (المعارج: ٦ و٧)، فالبُعد والقُرب في نظر الله ليسا
مسافةً في الزمن، بل نضجاً في المعنى، وما يراه الإنسان بعيداً قد يكون قريباً في
حكمة الله، وما يظنُّه قريباً قد يكون بعيداً لأنَّه لم يتهيَّأ له.
من هنا نفهم أنَّ خطيئة الموقِّت ليست في معرفته، بل في نظره المحدود إلى الزمان،
فالموقِّت يقيس التاريخ بمزاجه، لا بمنطق الحكمة الإلهيَّة. وإذا ما طال البلاء،
ظنَّ أنَّ الله تأخَّر، بينما البلاء هو عين التربية التي بها يتهيَّأ الظهور؛ لذلك
فإنَّ مَنْ أراد أنْ يُوقِّت للغيب، كمن يريد أنْ يقطف الثمرة قبل أنْ تنضج،
فيُفسِدها ويُفسِد شجرته.
وهذا ما يجعل التوقيت خطراً على الإيمان الجمعيِّ؛ لأنَّه يُنتِج
جماعاتٍ تَعِدُ
الناس بالفرج، ثمّ تُخذِلهم حين لا يتحقَّق الوعد، فتتكرَّر الخيبة، ويتكرَّر
الانكسار، حتَّى يفقد الناسُ حسَّ الانتظار الشريف، فيتحوَّل الوعي المهدويُّ من
مدرسةٍ للصبر إلى مسرحٍ للتكهُّن. وهكذا، يصبح الدِّين ساحةً لتداول الإشاعات
الروحيَّة، بدل أنْ يكون طريقاً للتهذيب.
ولقد حذَّر الأئمَّة (عليهم السلام) من هذا الداء مبكِّراً، لا لأنَّهم أرادوا
كتمان السرِّ، بل لأنَّهم علموا أنَّ الغيب لا يحتمل إلَّا قلباً مطهَّراً. فقال
الإمام الصادق (عليه السلام): «كَذَبَ اَلْوَقَّاتُونَ، إِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ لَا
نُوَقِّتُ»(٩)، فكأنَّه يُريد أنْ يقول: مَنْ يُوقِّت فقد كذب في فهمه للغيب، لا في
نقله للرواية؛ لأنَّ الحقيقة ليست في التاريخ، بل في التهيُّؤ، وما لم ينضج
الإنسان، فلن يأتي الموعد، ولو تكرَّر ألف توقيت.
إنَّ في عمق التوقيت خللاً في فهم معنى العدل الإلهيِّ؛ لأنَّ الموقِّت يظنُّ أنَّ
العدالة لا يمكن السعي إليها إلَّا بظهور الإمام، في حين أنَّ الله يُريد من
المنتظِرين التهيُّؤ لقبول العدل الإلهي قبل أنْ يُقام في الأرض، وكلُّ مَنْ ينتظر
العدل من الخارج دون أنْ يُصلِح نفسه في الداخل، فقد غاب عنه لُبُّ الفكرة
المهدويَّة، ولهذا فإنَّ التوقيت يسرق من الناس أعظم دروس الغيبة: أنْ يعملوا للعدل
في غياب الإمام، كما لو أنَّه حاضرٌ يراهم.
إنَّ الغيبة امتحانٌ مستمرٌّ للوعي الجمعيِّ، والتوقيت إفلاسٌ من
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٩) الكافي (ج ١/ ص ٣٦٨/ باب كراهية التوقيت/ ح ٣).
الصبر على هذا
الامتحان، فالموقِّت في النهاية يطلب أنْ يُغلَق الامتحان قبل أنْ يُتِمَّ الأسئلة،
ولهذا، فإنَّ الروايات الشريفة كانت تُكرِّر التحذير من الاستعجال كما تُكرِّر
التحذير من الشكِّ، لأنَّ الاستعجال هو الوجه الآخر للشكِّ؛ كلاهما عدمُ رضا
بالحكمة الإلهيَّة.
ولذلك قال الإمام الصادق (عليه السلام): «هَلَكَ اَلمُسْتَعْجِلُونَ»(١٠)؛ لأنَّ
المستعجل يريد أنْ يُخرج الظهور من دائرة الله إلى دائرته، وهذه هي الخطيئة الكبرى:
أنْ نُحوِّل الوعد الإلهيَّ إلى مشروعٍ بشريٍّ نُديره بالعواطف والتحليل، بينما
الله يُديره بالحكمة والتقدير.
إنَّ ظاهرة التوقيت تكشف عن مأزقٍ عميقٍ في النفس المؤمنة حين تُواجه الغيب الطويل:
فهي إمَّا أنْ تصبر وتزكو، وإمَّا أنْ تستعجل وتكذب، وليس الكذب هنا افتراءً على
الله فقط، بل عجزاً عن تحمُّل سكوت السماء عن التوقيت، ومن هنا فإنَّ الموقِّت لا
يحتاج إلى مَنْ يُكفِّره، بل إلى مَنْ يُداويه، لأنَّه مريضٌ باليقين السريع الذي
يُخدِّر الألم ولا يُعالج سببه.
كلُّ ظاهرة فكريَّة لا تبقى في حدود الذهن، بل تتحوَّل مع الزمن إلى حركةٍ في
المجتمع، ومن هنا، فإنَّ التوقيت لا يمكن اعتباره خطأً فكريًّا فرديًّا فحسب، بل هو
داءٌ جماعيٌّ حين يتسلَّل إلى روح الأُمَّة. فحين تنتشر ثقافة التوقيت في المجتمع
الدِّينيِّ، يتحوَّل الانتظار من مدرسةٍ للتربية إلى حالةٍ من الترقُّب المَرَضي،
ويغدو الناس في قلقٍ دائمٍ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٠) الكافي (ج ١/ ص ٣٦٨/ باب كراهية التوقيت/ ح ٢).
بين تصديقٍ وتكذيب، بين إعلانٍ وخيبةٍ، حتَّى يُصاب
الإيمان الجماعيُّ بنوعٍ من (الإنهاك العقائديِّ).
إنَّ أُولى نتائج التوقيت على المجتمع هي تفكيك الثقة بين الناس وبين المرجعيَّة
الشرعيَّة؛ لأنَّ الموقِّت حين يُحدِّد موعداً، ثمّ يتخلَّف الموعد، تتوجَّه
الأنظار إلى العلماء لتسأل: لماذا سكتم؟ أو لماذا لم تُصدِّقوا؟ فتُصبِح المرجعيَّة
في موقع الدفاع عن الوحي بدل أنْ تبقى مرجعاً في تفسيره، وهنا يُحدِث التوقيت ما لم
يُحدِثه العدوُّ: يزرع الشكَّ في المؤسَّسة التي تحفظ الدِّين، ويُربك الوعي
الجمعيَّ في تمييز المصدر من التفسير.
ولذلك، فإنَّ أعظم ما فعله التوقيت هو أنَّه يحاول نقل المرجعيَّة من مجال العلم
إلى مجال التكهُّن؛ فبدل أنْ يُسئَل العالم عن الحكم الشرعيِّ، صار يُسئَل عن زمن
الظهور، وكأنَّ مهمَّته لم تعد بيان الحلال والحرام، بل فكُّ شيفرات الغيب، وهكذا
يُصاب الدِّين بتشويشٍ في الأولويَّات، لأنَّ العقل الذي تعوَّد على التوقيت لا
يعود قادراً على الإصغاء لصوت التدرُّج، بل يطلب كلَّ شيءٍ دفعةً واحدةً: الفرج،
والعدل، والانتصار، والحسم، دون أنْ يُدرك أنَّ سُنَن الله لا تعمل بالاستعجال، بل
بالتربية.
وحين يُصاب الوعي الجمعيُّ بحُمَّى المواعيد، يبدأ الناس يعيشون بين موجات من الأمل
الكاذب واليأس العميق، وكلُّ موجةٍ من التوقيت الفاشل تترك فيهم ندبةً لا تزول؛
ندبة خيبةٍ متكرِّرة
تُضعِف الثقة حتَّى في النصوص الصحيحة. فيصبح المؤمن بين نارين: نار الشكِّ في الموقِّتين، ونار الخوف من أنْ يُكذِّب الغيب نفسه، وهكذا
تُصبِح العقيدة المهدويَّة ميداناً للمشاعر المتضاربة، لا للحقيقة الواضحة.
وفي مثل هذه الحالة، يضعف أثر الكلمة الصادقة لأنَّ الناس اعتادوا الأصوات العالية،
ويبهت نور الرواية الصحيحة لأنَّ العيون أُتخِمَت بصورٍ من الوهم. ولذا، فإنَّ أخطر
ما يفعله التوقيت في الوعي العامِّ أنَّه يُفقِد النصوص هيبتها؛ فحين تُستخدَم
الروايات في غير موضعها، أو تُسقِط على واقعٍ ناقص، يظنُّ الناس أنَّ الرواية قد
أخطأت، بينما الخطأ في فهمها لا في مضمونها.
ومن جهةٍ أُخرى، فإنَّ التوقيت لا يُنتِج فوضى فكريَّة فحسب، بل فوضى اجتماعيَّة
أيضاً. لأنَّ الموقِّت حين يُعلِن موعداً للظهور، يبدأ الناس بالاستعداد له
بطريقتهم الخاصَّة: منهم مَنْ يبيع ماله، ومنهم مَنْ يعتزل عمله، ومنهم مَنْ يُخاصم
غيره ظنًّا أنَّ المعركة وشيكة. وهكذا تتحوَّل الفكرة المهدويَّة من طاقةٍ للعمل
إلى عاملٍ للركود، ومن مدرسةٍ للصبر إلى منبرٍ للارتباك، وقد شهدت بعض الحركات في
التاريخ مثل هذه الانهيارات النفسيَّة، حين رآهن أتباعها على توقيتٍ لم يتحقَّق،
فانهاروا في اليأس أو في الشكِّ في أصل الغيب.
إنَّ المجتمع الذي يفقد التوازن بين الغيب والواقع يصبح هشًّا أمام أيّ خطابٍ
يتلاعب بعواطفه. والتوقيت، بهذا المعنى، يُمهِّد
دائماً لولادة المدَّعين الجُدُد
الذين يزعمون الاتِّصال بالغيب أو النيابة عن الإمام. لأنَّ الناس، بعد خيباتٍ
متكرِّرةٍ، لا يعودون يثقون بالعقل ولا بالمرجعيَّة، بل يبحثون عن صوتٍ خارقٍ يُعيد
إليهم الثقة المفقودة، وهكذا ينشأ ما يُمكِن تسميته بـ (اقتصاد الخيبة)، حيث تُصبِح
كلُّ خيبةٍ أرضاً خصبةً لمولودٍ جديدٍ من الموقِّتين أو المتنبِّئين أو أصحاب
الرؤى.
ومن هنا، نفهم أنَّ التوقيت ليس حَدَثاً عابراً في التاريخ، بل دورةٌ اجتماعيَّةٌ
تتكرَّر كلَّما غاب الوعي. فحين يضعف العلم، يُولَد الموقِّت، وحين يطول الصبر،
يُولَد المستعجل، وحين تتَّسع الفجوة بين الإيمان والعمل، يُولَد الكاذب الذي
يملأها بشعاراتٍ مهدويَّةٍ متحمِّسةٍ؛ لذلك قال الإمام (عليه السلام): «كَذَبَ
اَلْوَقَّاتُونَ»(١١)، لأنَّهم يُكذِّبون الله حين يجعلون وعده مؤجَّلاً بحكمةٍ، فيُعلِنونه عاجلاً بعاطفةٍ.
وليس المقصود بـ «كَذَبَ اَلْوَقَّاتُونَ» مجرَّد تحريمٍ شرعيٍّ، بل توصيفٌ لحالةٍ
نفسيَّةٍ عميقةٍ في العلاقة بين الإنسان والزمن، فالذي يُوقِّت، يكذب على الزمن
نفسه، لأنَّه يُعطيه أسماء لم يقلها الله، ويُحمِّله مواعيد لم يُعهَد بها إليه،
إنَّ الزمن في القرآن مخلوقٌ مطيعٌ، يسير بأمر الله وحده، ولا يُقدِّم ساعةً ولا
يُؤخِّرها إلَّا بإذنه، أمَّا الموقِّت، فهو يريد أنْ يُدخِل يده في هذا النظام
الكونيِّ، فيتصرَّف في الوقت كما يتصرَّف في الأحداث، فيخرق نظام العبوديَّة دون
أنْ يشعر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١١) الكافي (ج ١/ ص ٣٦٨/ باب كراهية التوقيت/ ح ٣).
ومن مظاهر الفتنة الكبرى في التوقيت أنَّه يُحوِّل الإيمان من عبادةٍ إلى توقُّعٍ،
أي من علاقةٍ روحيَّةٍ بالله إلى انتظارٍ آليٍّ لحَدَثٍ محدَّدٍ. فيغيب العمق
الروحيُّ من الفكرة المهدويَّة، ويحلُّ محلَّه الترقُّب الميكانيكيُّ، فيصبح الظهور
حَدَثاً سياسيًّا بدل أنْ يكون تحقيقاً للعدل الإلهيِّ. ومن هنا، تبدأ المزايدات
المهدويَّة، حيث يتنافس الناس في تحديد العلامات وكأنَّهم في سباقٍ إلى اليقين،
بينما الإيمان الحقيقيُّ لا يُقاس بالسرعة، بل بالثبات.
لقد أراد الله أنْ تكون المهدويَّة مدرسةً للتهذيب، فإذا بها في بعض الأزمنة
تتحوَّل إلى ميدانٍ للغلوِّ في التأويل، والغلوِّ في العاطفة، والغلوِّ في التوقيت.
وهذا الغلوُّ، وإنْ بدا في ظاهره حُبًّا للإمام، إلَّا أنَّه في حقيقته استبدالٌ
للمحبَّة بالامتلاك، فالمحبُّ يرضى بالغيب لأنَّه يثق بالمحبوب، أمَّا المملوك
بالهوى، فيُريد أنْ يُمسِك المحبوب بيده في الموعد الذي يختاره هو.
إنَّ أخطر ما في التوقيت أنَّه يُفسِد العلاقة بين الإنسان والله، لأنَّه يُحوِّل
الدعاء إلى مطالبة، والصبر إلى حساب، والرجاء إلى انتظارٍ مشروط. والموقِّت، في
نهاية المطاف، لا يثق بالله تمام الثقة، لأنَّه يريد أنْ يعرف كيف ومتى، وكأنَّه
يخاف أنْ يُخلِف اللهُ وعدَه. ولهذا كان التوقيت في جوهره شكًّا مموَّهاً بالإيمان،
لأنَّ الإيمان الحقيقيَّ يُسلِّم، ولا يسأل إلَّا عن الاستعداد، لا عن الساعة.
وقد أدركت المرجعيَّات الدِّينيَّة على امتداد التاريخ هذا الخطر،
فواجهته بالعلم
والسكينة، لا بالصخب والاتِّهام؛ لأنَّ الفتنة لا تُطفَأ بالخصومة، بل بالوعي. فالموقِّت، وإنْ ضلَّ، فهو ابن بيئةٍ عطشى إلى اليقين، ودواؤه ليس القسوة، بل إحياء
معنى الإيمان المتَّزن في الناس، حتَّى يعودوا إلى الأصل: أنَّ الغيب أمانةٌ لا
تُكسَر أبوابها بالعاطفة، بل تُفتَح بالمجاهدة.
وفي الختام، فإنَّ فتنة التوقيت تُظهر لنا كيف يمكن لفكرةٍ صغيرةٍ أنْ تُربِك
أُمَّةً بأكملها إذا فقدت الوعي بمنهج التعامل مع الغيب. فالمشكلة ليست في الرغبة
بمعرفة الغيب، بل في سوء الأدب أمامه. والتوقيت هو صورةٌ مكبَّرةٌ لهذا السوء؛ إذ
يجعل من حُبِّ الإمام سبباً للخطأ في حقِّ الإمام. ولذلك، فإنَّ أوَّل إصلاحٍ للعقل
المهدويِّ هو أنْ يتعلَّم متى يسكت، وأنْ يُدرك أنَّ الصمت في حضرة الغيب ليس
غياباً عن المعرفة، بل حضورٌ في أعمق درجاتها.
فمَنْ كَذَبَ في الغيب خسر الإيمان، ومَنِ استعجل في الظهور خسر الصبر، ومَنْ سلَّم
لله في أمره، نجا كما قال الإمام الصادق (عليه السلام): «كَذَبَ اَلْوَقَّاتُونَ،
وَهَلَكَ اَلمُسْتَعْجِلُونَ، وَنَجَا اَلمُسَلِّمُونَ»(١٢)، فالتوقيت فتنةٌ،
والاستعجال هلاكٌ، أمَّا النجاة، فهي في التسليم.
* * *
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٢) الكافي (ج ١/ ص ٣٦٨/ باب كراهية التوقيت/ ح ٢).
من الغيرة إلى الغرور - التحوُّل
النفسي للعقل الموقِّت:
ليست كلُّ الأخطاء التي تقع في الفكر الدِّينيِّ من ضعفِ الفهم أو قلَّةِ العلم، بل
كثيرٌ منها يبدأ من حرارةِ القلب قبل برودة العقل، فكم من فكرةٍ انطلقت من شوقٍ
صادقٍ، ثمّ تحوَّلت إلى انحرافٍ عميقٍ حين لم تُهذِّبها البصيرة، ولعلَّ التوقيت هو
أصدق مثالٍ على ذلك، إذ يبدأ من غيرةٍ على الإمام، وينتهي بـ (غرورٍ باسم الإمام).
يبدأ من الحُبِّ، وينتهي بالادِّعاء.
فالعقل الموقِّت ليس بالضرورة عقلاً جاحداً، بل هو عقلٌ مُحِبٌّ فَقَدَ توازنه، هو
كالسالك الذي استعجل الوصول إلى النور، فلم ينتبه أنَّ الله جعل بينه وبين المقصد
طريقاً من الصبر والتربية، لا من التكهُّن والتقدير، إنَّه عقلٌ يُحِبُّ الحقَّ إلى
درجةٍ تجعله يريد أنْ يُشرف على مواعيد الله، وأنْ يتكلَّم في ما سكتت عنه السماء.
ومن هنا يبدأ التحوُّل الخفيُّ في البنية النفسيَّة للموقِّت: من غيرةٍ مشروعةٍ إلى
غرورٍ مقدَّسٍ.
الغيرةُ في ذاتها ليست مذمومة، فهي علامةُ حياةِ الإيمان، ولكنَّها حين تتجاوز
حدودها تُصبِح كالنار التي تأكل ما أنضجت، فالموقِّت
يغار على الدِّين من صمته،
يغار على الناس من بطئهم، يغار على الغيب من احتجابه، فيتقدَّم نيابةً عن الجميع
ليقول: أنا أعلم متى يظهر الفرج. هكذا يتحوَّل الإخلاص إلى استبدادٍ، والمحبَّة إلى
تسلُّطٍ، لأنَّ النفس التي لم تتربَّ على الصبر تُحوِّل غيرتها إلى رغبةٍ في
السيطرة، وتُلبِسها ثوب القداسة لتُخفي بها قلقها العميق.
إنَّ دراسة الموقِّت تكشف لنا عن مفارقةٍ نفسيَّةٍ مدهشةٍ: إنَّه إنسانٌ يبدو
مؤمناً بالغيبة، لكنَّه في العمق غير قادرٍ على تحمُّلها، إيمانه بالغيبة من
الخارج، ورفضه لها من الداخل. هو يذكر الإمام في كلِّ دعاء، لكنَّه يرفض أنْ يبقى
الله وحده العالِم بموعد ظهوره، وهذه المفارقة هي جوهر التحوُّل من الغيرة إلى
الغرور. فبدل أنْ يعيش الموقِّت الإيمان كرحلةٍ في المجهول، يريد أنْ يُحدِّد
الإيمان كما تُحدَّد المواعيد الرسميَّة، وكأنَّ الغيب مجرَّد حَدَثٍ يُبرمَج لا
سرٌّ يُنتظَر.
وفي عمق هذا التحوُّل يكمن ما يمكن تسميته بـ (النرجسيَّة الروحيَّة)، وهي أخطر
أشكال الغرور؛ لأنَّها لا تظهر في صورة الكِبر، بل في صورةِ الإخلاص، فالموقِّت لا
يقول: (أنا) صراحةً، لكنَّه يجعل كلَّ كلامه يدور حول (أنا مَنْ علمتُ)، و(أنا مَنِ
استنبطتُ)، و(أنا مَنْ كشفتُ)، كأنَّه الوسيط بين الله والناس، وفي لحظةٍ واحدةٍ
ينتقل من مرتبة السائل إلى مرتبة المجيب، ومن مقام المنتظِر إلى مقام المُبلِّغ،
دون أنْ يُدرك أنَّه بهذا التحوُّل الدقيق فقد جوهر العبوديَّة الذي يقوم على
التسليم لا على الإعلان.
لقد قيل في الحكمة القديمة: (مَنْ أراد أنْ يُبصِر النور قبل أنْ يُطهِّر عينه،
عميت عينُه من شدَّته)، وكذلك الموقِّت؛ أراد أنْ يرى الساعة قبل أنْ يُهيِّئ نفسه،
فأعماه وهجُ الفضول، ولو أنَّه صبر لرأى من الغيب ما لم يُرَ، لكنَّه استعجل،
فاختصر الطريق، فغاب عنه المعنى. لذلك، فإنَّ التوقيت في أحد وجوهه هو (هروبٌ من
التربية الإلهيَّة)؛ لأنَّ الغيبة ليست غياباً بل امتحاناً ممتدًّا في الزمان،
والانتظار ليس فراغاً بل مدرسةٌ من الانضباط، والموقِّت حين يُوقِّت، يهرب من هذه
المدرسة إلى اختصارٍ زائفٍ للمنهج.
وفي عمق النفس الدِّينيَّة التي تميل إلى التوقيت نزعةٌ دفينةٌ إلى احتكار السرِّ،
فالإنسان الذي يرى نفسه أقرب إلى الله، يظنُّ أنَّ الله يُطلِعه على ما حُجِبَ عن
غيره. وهذه الظنَّة، حين لا تُهذَّب، تنقلب إلى مرضٍ في الوجدان يُشبه الوَهم
النبويَّ؛ أي الشعور بالاختيار دون تكليف، وبالوصال دون إذن، ولذلك نجد أنَّ
الموقِّت في العادة يعيش بين نبرتين متناقضتين: التواضع الظاهريُّ الذي يُخفيه في
لغته، والعظمة الباطنيَّة التي تفضحه في نبرته. فهو يقول: (لسنا إلَّا خُدَّام
الإمام)، لكنَّ كلامه عن المواعيد يُفصِح عن يقينٍ يُشبه يقين المرسَل.
وما إنْ يبدأ هذا الشعور بالوصال حتَّى يُصبِح الزمن نفسه موضوعاً للسلطة،
فالموقِّت لا يكتفي بأنْ يقول: (سيظهر الإمام قريباً)، بل يبدأ في تحديد العلامات
وتفسير الحوادث، وكأنَّه يملك مفاتيح التأويل التي لم تُفتَح لغيره، وهنا يتجلَّى
الغرور في أنقى صوره: الغرور
المعرفيُّ الذي يُلبِس صاحبه ثوبَ العالم وهو لا يعلم
أنَّه أسيرُ رغبته في الظهور، ومن هنا جاء العنوان لهذا الفصل: من حُبِّ الظهور
(الظهور المهدويِّ) إلى حُبِّ (الظهور النفسيِّ)، إذ ينقلب المعنى من التطلُّع إلى
ظهور الإمام إلى التطلُّع لظهور الذات في الناس.
ولذلك، فإنَّ التوقيت لا يُفهَم دون تحليلٍ لعلاقة الإنسان بالسلطة الرمزيَّة،
فكلُّ موقِّتٍ في العمق يبحث عن سلطةٍ روحيَّةٍ يُعوِّض بها عجزه عن السلطة
المادّيَّة، هو يُريد أنْ يُصدَّق لا لأنَّه فقيهٌ أو عالمٌ، بل لأنَّه يملك
(معلومةً من الغيب)، والمعلومة هنا تتحوَّل إلى تاجٍ رمزيٍّ يمنحه النفوذ في قلوب
الناس، إنَّها لعبة السلطة التي تتخفَّى في ثوب الإيمان، وهذا هو ما يجعل الموقِّت
خطيراً؛ لأنَّه لا يطلب الدنيا علناً، بل يطلبها باسم السماء.
وحين يتبنَّى المجتمع خطاب الموقِّت، تبدأ العدوى تنتشر ببطءٍ في القلوب؛ لأنَّ
الناس تميل إلى تصديق مَنْ يُغريها بالسرِّ، فالموقِّت لا يُقدِّم معلومةً فحسب، بل
يُقدِّم طمأنينةً مؤقَّتةً، والإنسان يميل إلى مَنْ يُسكِّن قلقه، لا إلى مَنْ
يُربِّيه عليه، وهكذا، يخلق الموقِّت من حوله دائرةً من المريدين الذين يظنُّون
أنَّهم أقرب إلى الحقيقة من سواهم، لأنَّهم (علموا الموعد)، فيبدأ التميُّز
الشعوريُّ، ثمّ الغلوُّ الجماعيُّ، ثمّ الانفصال عن الوعي العامِّ.
وفي تحليلٍ أعمق، يمكن القول: إنَّ الموقِّت يُمثِّل حالةً من (التعويض الروحيِّ)،
فحين يفقد الإنسان السيطرة على واقعه، يبحث
عن مجالٍ يُمارس فيه سلطةً بديلةً،
والغيب هو المجال الأوسع لذلك، فكما يُمارس السياسيُّ سلطته في الأرض، يُمارس الموقِّت سلطته في السماء، وكما يصوغ الزعيم خطاب المستقبل، يصوغ الموقِّت خطاب
الظهور، وفي الحالتين، يكون الجمهور هو الضحيَّة؛ لأنَّ الناس تبحث عن صوتٍ
يطمئنها، ولو كان صدًى لوهمها.
إنَّ الغرور في الموقِّت ليس غروراً شخصيًّا فحسب، بل غرورٌ عقديٌّ يخلط بين مقام
العارف ومقام النبيِّ، فيظنُّ أنَّ الفهم الخاصَّ للوعد الإلهيِّ نوعٌ من الكشف،
وحين يتذوَّق لذَّة هذا الشعور، يصبح أسيراً له، فلا يستطيع الرجوع عنه حتَّى لو
تهاوى بناؤه، وهنا يتحوَّل التوقيت إلى إدمانٍ نفسيٍّ على الوهم؛ إذ كلَّما سقط
توقيتٌ، وُلِدَ آخر، لأنَّ النفس التي ذاقت نشوة الإلهام الكاذب لا تشفى بسهولة.
وفي لحظةٍ ما، يُصبِح الموقِّت مقتنعاً أنَّه يخدم الدِّين، وأنَّ الله يُلهمه من
حيث لا يشعر، فلا يرى في نفسه متجاوزاً، بل مأذوناً بالسرِّ، وهذه أخطر درجات
الغرور؛ لأنَّها تُغلِق باب التوبة، فالغافل يمكن أنْ يُنبَّه، والمخطئ يمكن أنْ
يُصحَّح، أمَّا مَنْ ظنَّ نفسه متَّصلاً بالغيب، فإنَّ النصح له يصبح في نظره
معارضةً لله، وهكذا يتحوَّل حُبُّ الإمام إلى وسيلةٍ لتبرير الذات، وتُصبِح الغيبة
ذريعةً للمجد الشخصيِّ.
ولذلك، حين قال الإمام (عليه السلام): «كَذَبَ اَلْوَقَّاتُونَ»(١٣)، لم يكن يقصد
تكذيب التاريخ فقط، بل تكذيب الذات التي نصبت نفسها
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٣) الكافي (ج ١/ ص ٣٦٨/ باب كراهية التوقيت/ ح ٣).
ناطقاً عن الله دون إذنه، فالموقِّت لا يُخطئ في الحساب فقط، بل يُخطئ في مقامه؛ لأنَّه نسي أنَّ العلم
بالغيب ليس تفضُّلاً عقلانيًّا، بل اصطفاءٌ إلهيٌّ، وأنَّ أقصى درجات الإيمان هي
أنْ تُسلِّم لله فيما جهلت، لا أنْ تتكلَّم فيه بثقة العارفين.
إنَّ العقل الموقِّت، في عمقه، عقلٌ لم يتعلَّم الأدب أمام السرِّ؛ لأنَّه يظنُّ
أنَّ الطريق إلى الله يُقطَع بالعقل وحده، وهو بذلك يُكرِّر خطأ إبليس الذي لم
يَكفر بالله، بل غلبه عقله عن أمر الله، فالشيطان لم يُنكِر الخالق، بل اجتهد في
غير موضع الاجتهاد، حين قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾
(الأعراف: ١٢)، والموقِّت بطريقةٍ أُخرى يُعيد هذا الاجتهاد المغرور، فيقول: (أنا
أعلمُ بزمان أمر الله)، وكأنَّه يُعيد صياغة الغرور الأوَّل بلغةٍ دينيَّةٍ جديدةٍ.
وهكذا نرى أنَّ التوقيت ليس حادثةً فكريَّةً، بل عمليَّةٌ روحيَّةٌ ونفسيَّةٌ
متكاملةٌ تبدأ من لحظةِ حُبٍّ صادقٍ غير مهذَّب، وتنتهي بادِّعاءٍ مقدَّسٍ لا
يُراجَع، وفي هذه المسافة بين الغيرة والغرور يتكوَّن (العقل الموقِّت) الذي
سيُحلَّل في المحاور التالية من هذا الفصل بوصفه ظاهرةً معرفيَّةً واجتماعيَّةً
تمتدُّ من الأفراد إلى الجماعات.
* * *
وهم المعرفة - كيف يُبرِّر الموقِّت لنفسه سلطته؟
ليس أشدَّ خطراً على العقل الدِّينيِّ من أنْ يُصاب بوهم المعرفة؛ لأنَّ هذا الوهم
لا يُعلِن عن نفسه في صورة الجهل، بل يتقمَّص هيأة العلم، ويستعير لغته، ويستخدم
أدواته، والموقِّت في جوهره ضحيَّةُ هذا الوهم: يظنُّ أنَّه يعرف، لا لأنَّ لديه
برهاناً، بل لأنَّ في داخله حاجةً عاطفيَّةً إلى أنْ يكون عارفاً، إنَّه لا يبحث عن
الحقيقة بقدر ما يبحث عن الشعور بأنَّه يملكها.
فالعقل الموقِّت يبدأ رحلته من لحظةٍ بسيطةٍ هي التصديق بالعلامات، ثمّ ينتقل منها
إلى التأويل المفرط، ومن التأويل إلى الاستنتاج الحتميِّ، حتَّى يصل في النهاية إلى
الاعتقاد الجازم بأنَّه وصل إلى سرِّ الغيب، وبين كلِّ مرحلةٍ وأُخرى، يُراكم العقل
الموقِّت مبرِّراته، فيبني لنفسه قلاعاً من الاستدلالات التي تبدو عقليَّةً في
ظاهرها، لكنَّها مشاعرُ متخفِّيةٌ في لباس المنطق.
ولكي يُبرِّر يقينه، يلجأ الموقِّت إلى لغةٍ مشبعةٍ بالإيحاءات الإيمانيَّة: (ورد
في الروايات)، (نُقِلَ عن أهل البصائر)، (تواترت الإشارات)، (رأيتُ في المنام)،
(استفدتُ من مقام الإلهام). كلُّها عباراتٌ تُوهِم
المستمع بأنَّ المتكلِّم لا
يتكلَّم من فراغ، بل من وحيٍ روحيٍّ يُحيط به هالةً من القداسة، ومن هنا تتكوَّن
السلطة الرمزيَّة للموقِّت: سلطة المعرفة التي لا تُراجَع، لأنَّها لا تقوم على
البرهان، بل على الهيبة.
وهذه الهيبة ليست هيبة العلم، بل هيبة (الوصال)، فالموقِّت لا يُقدِّم نفسه
كمُجتهدٍ في الروايات، بل كـ (شاهدٍ على العلامات)، وكأنَّ الغيب قد خاطبه مباشرةً،
وهنا يتسلَّل نوعٌ من الإلهام الزائف الذي يُشبِه في علم النفس ما يُعرَف بـ
(الإيحاء الذاتيِّ المتكرِّر)، أي حين يُكرِّر الإنسان فكرةً حتَّى يُصدِّقها
تماماً، ثمّ يبحث في الواقع عمَّا يُؤيِّدها، ويُهمِل ما يُخالفها.
فالموقِّت يُشبِه العالم الذي يبدأ بالنتيجة قبل البحث، ثمّ يُعيد صياغة الأدلَّة
لتتناسب مع ما يريد إثباته. وهو لا يشعر أنَّه يُزوِّر الحقيقة، بل يظنُّ أنَّه
(يكشفها)، لأنَّ اليقين قد سبق البرهان في نفسه، وهذه هي آفة كلِّ باحثٍ حين يفقد
النزاهة المعرفيَّة: أنْ يُصبِح أسيرَ فكرته قبل أنْ يختبرها.
وفي كلِّ زمنٍ تتجدَّد هذه الظاهرة في ثوبٍ جديد: في القديم كانت عبر تفسير النجوم
أو الحسابات العدديَّة أو رموز الحروف، وفي الحديث عبر تحليل الأحداث السياسيَّة أو
التغيُّرات الاجتماعيَّة أو حتَّى الكوارث الطبيعيَّة، فالموقِّت يُفسِّر كلَّ
حادثةٍ على أنَّها علامةٌ على اقتراب الظهور، وكلَّ غموضٍ على أنَّه إشارةٌ خفيَّةٌ
لا يفهمها غيره، وهكذا يتحوَّل الواقع إلى مرآةٍ لرغباته، لا لمشيئة الله.
إنَّ الموقِّت لا يعيش في وهم العلم فحسب، بل في وهم التكليف أيضاً، فهو يرى نفسه
(مكلَّفاً) بإبلاغ الناس، كأنَّ الله أوكل إليه مهمَّة التبشير بما لم يُؤمَر به
أحد، وهذا الشعور بالاختيار الروحيِّ يمنحه طاقةً نفسيَّةً هائلةً؛ لأنَّه يُخلِّصه
من الإحساس بالعجز أمام العالم المضطرب، فحين يعجز عن تفسير ما يجري حوله، يلوذ
بفكرةٍ تمنحه مكانةً خاصَّةً: أنَّه يعلم السرَّ الذي يجهله الجميع.
ولأنَّ الإنسان بطبعه يخاف المجهول، فإنَّ مَنْ يدَّعي معرفة الغيب يكتسب قوَّةً
رمزيَّةً على مَنْ حوله، حتَّى لو لم يكن في قوله برهان، وهذا ما يجعل خطاب
الموقِّت مؤثِّراً، لأنَّه لا يُخاطِب العقل فقط، بل يُخاطِب خوف الإنسان من الغيب،
إنَّه يُقدِّم له خريطةً تُبدِّد غموض المستقبل، ولو كانت مرسومةً بالحبر الوهميِّ.
وهكذا، يُصبِح الموقِّت صانعَ يقينٍ في زمن القلق، وتتحوَّل كلماته إلى ملاذٍ
نفسيٍّ للجماهير التي سئمت الانتظار، فهو لا يقول لهم: (اصبروا)، بل يقول: (تحدَّد
الموعد)، ولا يُحدِّثهم عن التهيُّؤ، بل عن الموعد، والإنسان بطبعه يُفضِّل
المعلومة على الدعوة، والزمان المحدَّد على الصبر الطويل؛ لذلك ينجح الموقِّت في
بناء سلطته على وعدٍ لا يملكه، لأنَّه يعرف كيف يُغري النفوس باليقين السهل.
لكنَّ هذا الوهم لا يستمرُّ إلى الأبد، فحين يمرُّ الموعد الموعود دون أنْ يتحقَّق،
لا يعود الموقِّت قادراً على التراجع؛ لأنَّه بنى صورته الذاتيَّة على يقينه، فلو
تراجع لانهارت مكانته، ولو أقرَّ بخطئه لفقد
جمهوره، فيلجأ إلى التأويل الجديد:
(تحقَّق الظهور المعنويُّ)، أو (تأخَّر الموعد لذنب الناس)، أو (تبدَّلت العلامات)،
وهكذا يُعيد الموقِّت تدوير الكذبة الأُولى بلغةٍ أكثر تعقيداً، ليحافظ على سلطته.
وفي هذه اللحظة، يتحوَّل الوهم إلى منظومةٍ فكريَّةٍ كاملةٍ لها منطقها الخاصُّ،
فكلُّ دليلٍ ضدَّها يُصبِح دليلاً لها: إذا لم يظهر الإمام، فذلك دليلٌ على أنَّ
الظهور قريب، لأنَّ الفتنة اشتدَّت! وإذا لم تتحقَّق العلامة، فذلك لأنَّ الله
يُريد امتحان المؤمنين! وهكذا يُغلِق الموقِّت دائرته المحكمة التي لا يدخلها
النور، لأنَّه جعل من نفسه مرجعاً أعلى لا يُسئَل.
وفي أعماق هذا السلوك تكمُن آليَّةٌ نفسيَّةٌ دقيقةٌ تُعرَف في علم النفس بـ
(التنافر المعرفيِّ)؛ أي عجز الإنسان عن الاعتراف بخطئه حين تتعارض قناعته مع
الواقع. والموقِّت، كي يتخلَّص من هذا التنافر، يُعيد صياغة العالم حتَّى يتوافق مع
فكرته؛ لذلك نراه يستخرج من الروايات ما يُؤيِّد قوله، ويُغفِل ما يُبطِلها، فيخلق
لنفسه (نظاماً تأويليًّا مغلَقاً) لا يراه أحدٌ سواه.
ومن جهةٍ أُخرى، فإنَّ الموقِّت لا يعيش وحده في هذا الوهم، بل يصنع حوله جماعةً من
المصدِّقين الذين يمنحونه الدعم العاطفيَّ. وهذه الجماعة تُصبِح بدورها أسيرةً
للوهم، لأنَّها تربط خلاصها الروحيَّ به. فلو سقط، سقطت معه؛ لذلك تدافع عنه حتَّى
وهي تشكُّ في كلامه، وهكذا تتحوَّل الفكرة إلى عقيدة، والعقيدة إلى حركةٍ ترفض
النقد؛ لأنَّها تربط وجودها بصدق الموقِّت.
إنَّ وهم المعرفة عند الموقِّت ليس خطأً في التفكير فقط، بل أزمةٌ في بنية الوعي
الإيمانيِّ نفسه، حين يختلط العلم بالهوى، والإلهام بالادِّعاء، والتأويل بالحلم.
فالموقِّت لا يتعامل مع النصِّ ككلمةٍ تُعلَّم، بل كرمزٍ يُكشَف، فيُصبِح النصُّ
مرآةً لخياله، لا مرآةً للحقيقة، وهذه هي نقطة الانكسار بين (العقل المتعبِّد)
و(العقل المتصرِّف)، إذ الأوَّل يُقدِّس النصَّ فيسكت أمامه، والثاني يُعيد صياغته
ليخدم فرضيَّته.
وقد نبَّه الأئمَّة (عليهم السلام) إلى هذه الآفة منذ القرون الأُولى، حين قال
الإمام الصادق (عليه السلام): «كَذَبَ اَلْوَقَّاتُونَ، إِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ لَا
نُوَقِّتُ»(١٤)، فالكذب هنا ليس بمعنى الافتراء فقط، بل بمعنى الخطأ في مقام النفس،
لأنَّ الله لم يجعل العلم بالساعة من اختصاص أحد، لا نبيٍّ مرسَلٍ ولا وصيٍّ
مقرَّب، فكيف يدَّعيه مَنْ لم يُؤذَن له بشيء؟
إنَّ الموقِّت يعيش مأزقاً مزدوجاً: بين إيمانه الذي يدفعه لتوقير الغيب، وعقله
الذي يُغريه بفكِّ رموزه، فهو لا يريد أنْ يُكذِّب الروايات، لكنَّه لا يحتمل أنْ
تبقى مغلقةً أمامه، ومن هنا يُولَد وهم المعرفة: أنْ يُقنِع نفسه بأنَّه (يخدم
الدِّين)، بينما هو في الحقيقة يخرق حرمة السرِّ، إنَّه يُذكِّرنا بما قاله أحد
العرفاء القدماء: (كم من محبٍّ لله أغواه حبُّه، فطلب وجهه بعينه، فلم يرَ إلَّا
وجه نفسه!).
وهكذا يتبيَّن أنَّ العقل الموقِّت هو في جوهره عقلٌ مشغولٌ بإثبات ذاته أكثر من
إثبات الحقِّ. لذلك، لا يمكن علاجه بالجدال؛
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٤) الكافي (ج ١/ ص ٣٦٨/ باب كراهية التوقيت/ ح ٣).
لأنَّ الجدال يُغذِّي شعوره بالتفرُّد،
بل بالتربية على التواضع المعرفيِّ: أنْ يتعلَّم أنَّ (السكوت على ما جهل، علمٌ في
نفسه).
كلُّ فكرٍ حين لا يُراقَب يتحوَّل إلى تيَّارٍ، وكلُّ تيَّارٍ حين لا يُقوَّم
يتحوَّل إلى جماعةٍ مغلقةٍ ترى نفسها الفرقة الناجية، وهكذا وُلِدَت الجماعات
الموقِّتة عبر التاريخ، لا من جهلٍ بالنصوص، بل من تجمُّع العواطف حول صوتٍ واحدٍ
أقنع الناس أنَّه (العالم بالموعد)، فالموقِّت الفرد، حين يُصدَّق، يتحوَّل إلى
رمزٍ نفسيٍّ، وحين يُتَّبع، يُصبِح محوراً لبنيةٍ اجتماعيَّةٍ كاملةٍ تتغذَّى من
حاجاتٍ روحيَّةٍ حقيقيَّةٍ لكنَّها تُدار بعقلٍ مضطربٍ ومؤمنٍ بذاته.
إنَّ الموقِّت لا يُمارس سلطته بالقوَّة، بل بالمهابة، فالمهابة في الفكر
الدِّينيِّ أقوى من السيف؛ لأنَّها تُخاطِب الخوف والرجاء في آنٍ واحدٍ، ولأنَّ
الناس يميلون إلى مَنْ (يبدو واثقاً بالله)، فإنَّهم يُسلِّمون له عقولهم بسهولة،
وفي البيئات التي يطول فيها الصبر الجماعيُّ ويقلُّ فيها الوعي النقديُّ، يبرز
الموقِّت كمنقذٍ أكثر منه كعالم، وكاشفٍ أكثر من مفسِّر، وهنا يبدأ الخطر
الحقيقيُّ: حين تتحوَّل دعوى المعرفة بالغيب إلى سلطةٍ على القلوب.
تتكوَّن حول الموقِّت عادةً دائرةٌ من التابعين الذين يجدون فيه ما يعجزون عن
إيجاده في أنفسهم: الطمأنينة أمام الغيب، واليقين أمام الغموض، وهذه العلاقة ليست
علاقة فكرٍ بفكر، بل علاقة روحٍ بروحٍ مضطربة، فالموقِّت يُغذِّيهم باليقين، وهم
يُغذُّونه بالإيمان بصدقه،
فينشأ بينهم عقدٌ غير مكتوبٍ من المصالح النفسيَّة: هو
يُعطيهم المعنى، وهم يُعطونه المكانة. وهكذا يُولِد (العقل الجمعيَّ للموقِّتين).
هذا العقل الجمعيُّ لا يُفكِّر بالبرهان، بل بالإجماع العاطفيِّ. فكلَّما ازداد
التصفيق لكلام الموقِّت، ازداد يقينُهم بأنَّ الله يُؤيِّده، ومن هنا، تصبح الجماعة
دائرةً مغلقةً: تُكرِّر القول نفسه حتَّى يُصبِح حقيقةً داخليَّةً لا تحتاج إلى
دليل. وحين تُواجَه بالنقد، تردُّ عليه بالخشوع لا بالحجَّة، وتعتبر الشكَّ في
الموقِّت شكًّا في الإمام نفسه.
إنَّها عبادةُ الوسيط التي حذَّر منها القرآن حين قال: ﴿مَا
نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى﴾ (الزمر: ٣).
فالموقِّت يُصبِح، دون أنْ يدري، صورةً مصغَّرةً من هذا المنطق: إنَّما نُصدِّقه
لأنَّه أقرب إلى الإمام، وإنَّما نُطيعه لأنَّه يرى ما لا نرى، وهكذا يُصبِح
الإنسان العادي بينه وبين الله، في حين أنَّ جوهر الانتظار هو أنْ تبقى علاقتك
بالله مباشرةً لا عبر المواعيد والوسطاء.
* * *
وفي هذه الجماعات، تتشكَّل آليَّاتٌ دقيقةٌ للحفاظ على الوهم:
أوَّلها: اللغة: إذ تتحوَّل الكلمات إلى رموزٍ داخليَّةٍ يفهمها (المقرَّبون) فقط.
فلا يقولون: (التوقيت)، بل (الإلهام)، ولا يقولون: (الموعد)، بل (العلامة)، ولا
يقولون: (الزعيم)، بل (الخادم)، وهكذا يُعاد بناء الخطاب ليبدو متواضعاً وهو يحمل
في باطنه احتكاراً للغيب.
وثانيها: العزل النفسيُّ: إذ يتَّفق الموقِّت وأتباعه ضمناً على أنَّ (العالم لا
يفهمهم)، وأنَّ المرجعيات غافلة، وأنَّهم وحدهم (المنتبهون)، وبذلك يُعاد تشكيل
الهويَّة الجمعيَّة للجماعة على أساس التميُّز لا المشاركة.
وثالثها: تقديس التجربة الشخصيَّة: إذ تُصبِح الأحلام والرؤى أدلَّةً لا تُناقش،
والمشاعر حُجَجاً لا تُراجَع، فينحلُّ البرهان العلميُّ في عاطفةٍ تُغذِّي نفسها
بنفسها.
وهكذا تتكوَّن هالة القداسة حول الموقِّت، لا لأنَّه ادَّعى النبوَّة، بل لأنَّ
الناس أرادوا نبيًّا دون أنْ يعترفوا بذلك، فهو بالنسبة لهم (الصوت القريب من
الإمام)، والإنسان حين يخاف من الغيب، يبحث
عن صوتٍ يتكلَّم باسم الغيب. ومن هنا
نفهم لماذا قال الأئمَّة (عليهم السلام): إنَّ أخطر الناس على الدِّين ليسوا
أعداءه، بل أدعياء محبَّته.
ولأنَّ هذه الهالة لا تُبنى إلَّا بالخوف؛ فإنَّ الموقِّت يُغذِّيها بلغةٍ تقوم على
الوعيد: (سيُهلِك اللهُ المكذِّبين قريباً)، (سيبدأ التمحيص)، (اقترب الفرز
الإلهيُّ)، وكلُّها عباراتٌ تُدخِل الناس في توتُّرٍ مستمرٍّ يخلط بين الإيمان
والرعب. وهكذا تُصبِح الجماعة في حالة تأهُّبٍ دائمٍ، لا للعقل، بل للعاطفة.
وفي علم النفس الجمعيِّ، تُعرَف هذه الحالة بـ (الانفعال الجماعيِّ المقدَّس)، وهي
اللحظة التي تذوب فيها العقول الفرديَّة في شعورٍ مشتركٍ بالقرب من الحقيقة
المطلقة، وهذه اللحظة تمنح الإنسان سعادةً روحيَّةً مؤقَّتةً، لكنَّه يدفع ثمنها
باهظاً: فقدان حرّيَّة التفكير. ومن هنا نفهم أنَّ كلَّ جماعةٍ موقِّتةٍ هي في
حقيقتها (إلغاءٌ للعقل باسم الإيمان).
غير أنَّ التاريخ يُعلِّمنا أنَّ هذه الهالة لا تدوم، فحين يخيب الموعد، تنكسر
الجماعة من داخلها، ويبدأ الانقسام بين مَنْ يُكابر ويُؤوِّل، ومَنْ يستيقظ ويتوب،
ومَنْ يهرب إلى جماعةٍ جديدةٍ أكثر يقيناً، وهكذا يُعاد إنتاج الدورة نفسها: من
توقيتٍ إلى خيبةٍ إلى توقيتٍ آخر. ولذلك، فإنَّ علاج هذه الظاهرة لا يكون بالردع
وحده، بل بإعادة بناء الوعي المهدويِّ الناضج الذي يُفرِّق بين الرجاء والاستعجال،
بين الغيب والظنِّ، بين العلم والحدس.
إنَّ الوعي المهدويَّ الناضج لا يُلغِي الإيمان بالعلامات، لكنَّه يضعها في موضعها الصحيح: إشاراتٌ تربويَّةٌ لا جداول زمنيَّة، وهو لا يُنكِر الشوق إلى الظهور، لكنَّه يَعلم أنَّ الشوق لا يُقاس بالأيَّام بل بالأعمال.
* * *
المنتظِر الحقيقيُّ ليس مَنْ يعرف الموعد، بل مَنْ يتهيَّأ له في كلِّ لحظةٍ دون
أنْ يسأل: متى؟ ولذلك، فإنَّ بناء هذا الوعي يمرُّ بثلاث مراحل:
الأُولى: تفكيك الوهم: أنْ نُدرك أنَّ الموقِّت لا يملك سرًّا إلَّا ما صنعه
خيالُه، وأنَّ الغيب لا يُدار بالرغبة بل بالإذن.
الثانية: إعادة الثقة بالمرجعيَّة والعقل: لأنَّ العلم هو الحصن الذي يمنع من
الانزلاق في خرافة المعرفة الخاصَّة.
الثالثة: تحويل الانتظار إلى مشروعٍ أخلاقيٍّ عمليٍّ: بأنْ يُصبِح السؤال: (كيف
نُصلِح أنفسنا ومجتمعنا ليكون مستحقًّا للعدل؟)، لا (متى يأتي العدل؟).
وهنا تكتمل دائرة الإصلاح: حين يتحوَّل الغيب من موعدٍ إلى معنى، ومن وعدٍ إلى
مسؤوليَّة. فالمؤمن الذي يُدرك أنَّ الغيب ليس ملكاً له، يُصبِح أكثر تواضعاً
وأقلَّ انجرافاً، لأنَّه يعلم أنَّ الله لا يُحِبُّ مَنْ يستعجل السرَّ.
إنَّ أخطر ما في التوقيت أنَّه يُربِّي الناس على الانتظار السلبيِّ، بينما
المطلوب
أنْ يُرَبُّوا على الاستعداد المستمرِّ. فبدل أنْ يسألوا: (متى يظهر الإمام؟)،
ينبغي أنْ يسألوا: (متى نُصبِح نحن جديرين بظهوره؟)، وبهذا فقط تتحوَّل المهدويَّة
من مجالٍ للتكهُّن إلى مجالٍ للعمل، ومن فضولٍ إلى فريضةٍ أخلاقيَّةٍ.
فالنجاة ليست في أنْ نعرف الموعد، بل في أنْ نُهيِّئ الموعد في قلوبنا وأعمالنا،
ومن هنا، نفهم عمق قول الإمام الصادق (عليه السلام): «كَذَبَ اَلْوَقَّاتُونَ،
وَهَلَكَ اَلمُسْتَعْجِلُونَ، وَنَجَا اَلمُسَلِّمُونَ»(١٥)؛ لأنَّ المسلِّم لا
يُسلِّم لعجزه، بل يُسلِّم لأمر ربِّه، ويعمل في الغيب كأنَّه الحاضر، ويثبت في
الصبر كأنَّه يرى.
* * *
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٥) الكافي (ج ١/ ص ٣٦٨/ باب كراهية التوقيت/ ح ٢).
من الموقِّت الفرد إلى الجماعة
المؤمنة به - النشأة الاجتماعيَّة للتنظيم السرِّي:
لم يكن التوقيت في بداياته مشروعاً جماعيًّا، بل كان حالةً فرديَّةً من القلق
العقائديِّ أمام الغيب، رجلٌ يقرأ الروايات، فيحسُّ أنَّ قلبه التقط سرَّها، فيبدأ
يهمس لمن حوله بأنَّ الظهور قريب، أو أنَّ العلامات بدأت تتحقَّق، أو أنَّ الزمان
دخل مرحلة الحسم. كان الأمر في البداية شعوراً فرديًّا متوتراً، لكنَّ التاريخ
يُثبِت أنَّ كلَّ شعورٍ متوتِّرٍ حين يجد له أُذُناً تُصدِّق، يتحوَّل إلى بذرة
حركةٍ اجتماعيَّةٍ، وهكذا يُولَد التنظيم الموقِّت: من نفسٍ قلقةٍ صدَّقها الناس،
ومن جمهورٍ عطشانٍ إلى المعنى صدَّق أيَّ نداءٍ يشبه الرجاء.
إنَّ كلَّ تنظيمٍ مهدويٍّ منحرف يبدأ من جرحٍ روحيٍّ جماعيٍّ، حين تطول الغيبة،
وتتوالى الأزمات، وتخيب الوعود الأرضيَّة، يبحث الناس عن يقينٍ جديدٍ يملأ الفراغ
بين السماء والواقع، وفي هذا الفراغ تحديداً يظهر الموقِّت، لا بصفته خصماً
للمرجعيَّة أو منكراً للغيب، بل بصفته المتكلِّم باسم سكوت السماء. وهنا تكمن
جاذبيَّته: فهو لا يُقدِّم نفسه نبيًّا، ولا يدَّعي الوحي، بل يقول: إنَّه (يقينٌ
نابعٌ من الروايات والإشارات)، وإنَّه (لا يتجاوز حدود
الأدب مع الإمام)، فيُصدِّقه
الناس لأنَّه يُشبههم، ويتكلَّم بلغتهم، ويُعبِّر عن وجعهم.
لكنَّ ما يبدأ كتعبيرٍ صادقٍ سرعان ما يتَّسع؛ لأنَّ الوجدان الجمعيَّ في لحظات
القلق لا يحتمل الصمت، فحين يقول رجلٌ واحدٌ: (العلامات قد اكتملت)، يشعر الآخرون
أنَّه حرَّرهم من الانتظار الطويل، وأنَّه أعطاهم إذناً نفسيًّا للرجاء، وهكذا
تتشكَّل نواة الجماعة الأُولى، لا على أساس علمٍ، بل على أساس عاطفةٍ دينيَّةٍ
تواطأت على تصديق رجلٍ أكثر جرأةً في التعبير عمَّا يُضمِرونه هم في قلوبهم.
في علم الاجتماع الدِّينيِّ، تُسمَّى هذه اللحظة (لحظة الإيمان الناقل)، أي حين
ينتقل الإيمان من النصِّ إلى الشخص، فيتحوَّل الشخص إلى حامل المعنى، ويغدو تصديقه
شرطاً لتصديق العقيدة نفسها. فبدل أنْ يقول الناس: (نؤمن بالظهور)، يقولون: (نؤمن
بمَنْ علم وقت الظهور). وهنا يحدث الانزلاق: فالإمام يغيب، ويظهر الموقِّت بوصفه
(المرآة البشريَّة) لتلك الغيبة.
وما إنْ تتكوَّن حوله الدائرة الأُولى من المقرَّبين حتَّى تبدأ ظاهرة التعويض
الجمعيِّ، فالجماعة الصغيرة التي تشكَّلت من الخيبة والانتظار تتحوَّل إلى مجتمعٍ
مصغَّرٍ يُقيم لنفسه نظاماً من الطقوس والعلاقات والقِيَم، وفي كلِّ جماعةٍ
موقِّتةٍ نلمس سماتٍ متشابهةٍ مهما اختلفت الأسماء: الثقة المطلقة بالقائد، احتقار
الخارجين، الإحساس
بالاختيار الإلهيِّ، الاعتقاد بأنَّهم يعيشون (الزمن الحاسم)،
وأنَّ الآخرين ما زالوا غارقين في الغفلة.
إنَّ الاجتماع الدِّينيَّ في أصله قائمٌ على الحُبِّ، لكنَّ الحُبَّ حين يُفرَغ من
الرقابة العقليَّة يتحوَّل إلى تعصُّبٍ مقدَّسٍ يرفض المساءلة؛ ولهذا كانت الجماعة
الموقِّتة منذ بدايتها جماعةً محبَّةً لا جماعةً عاقلةً، إذ تقوم على حرارة الإيمان
لا على نظام الفكر، فهي جماعةٌ تشبه حلقة النار: كلُّ مَنْ يقترب منها يُدفَّأ،
لكنَّ مَنْ يبتعد يُتَّهم بالبرود، ومَنْ يحاول إطفاءها يُرمى بالعداء.
وحين تتحوَّل هذه الحرارة إلى هويَّة، يبدأ التنظيم بالظهور، فالموقِّت، الذي كان
يتكلَّم من قلبه، يجد نفسه الآن مطالباً بأنْ يُنظِّم القلوب من حوله، لأنَّ جمهوره
يطلب منه برنامجاً، لا مجرَّد وعدٍ؛ فيُنشِئ (المجلس الخاصَّ)، و(مجموعة المؤمنين)،
و(المقرَّ الروحيَّ)، ويُعيد تعريف الانتماء إلى الدِّين من خلال الانتماء إلى
جماعته، ومع كلِّ خطوةٍ تنظيميَّةٍ جديدةٍ، ينحسر البُعد الروحيُّ الأصليُّ، ويزداد
الطابع الإداريُّ والسياسيُّ للفكرة، حتَّى تغدو المهدويَّة إطاراً سلطويًّا
جديداً.
في هذه المرحلة، تبدأ عمليَّة الشرعنة: فالموقِّت لا يُريد أنْ يُرى كزعيمٍ
دنيويٍّ، بل كأمينٍ على الوعد؛ لذلك يُلبِس جماعته لبوس التهيئة للظهور، فيُطلِق
عليها أسماءً ذات دلالاتٍ رمزيَّةٍ: أنصار الظهور، طلائع النور، أصحاب الأمر،
خُدَّام الإمام، وهكذا يُعيد إنتاج الرموز
الروحيَّة في قالبٍ اجتماعيٍّ مغلق، يجعل
الولاء له مرادفاً للولاء للإمام. ومن هنا يبدأ التحوُّل الخطير: يتحوَّل الإمام
الغائب من محورٍ للعقيدة إلى رمزٍ تبريريٍّ للزعيم الحاضر.
وفي عمق هذه البنية النفسيَّة للجماعة، تنشأ علاقةٌ خفيَّةٌ بين الإيمان والسلطة.
فكلُّ موقِّتٍ يحتاج إلى مَنْ يؤمن به، وكلُّ مؤمنٍ يحتاج إلى مَنْ يُطمئنه بأنَّ
إيمانه ليس عبثاً، وهكذا يتبادلان الحاجة، ويتحوَّلان إلى شريكين في صناعة الوهم
الجميل، والموقِّت - وإنْ بدأ صادقاً - يجد في تصديق الناس غذاءً خفيًّا لغروره؛
فالذي كان ينتظر الإمام صار هو المنتظَر من الناس.
وحين تتكرَّر اللقاءات والخُطَب والمواعيد، تُصبِح الجماعة وحدةً رمزيَّةً
متكاملةً؛ لهم أدبيَّاتهم، ومواعظهم، وصيغ دعائهم الخاصَّة، ومع الوقت تنشأ بينهم
(ذاكرةٌ جمعيَّةٌ موازيةٌ) للتاريخ الدِّينيِّ الرسميِّ، هذه الذاكرة تُعيد سرد
الروايات بلسانٍ جديدٍ، وتختصر الطريق الطويل للتمحيص والابتلاء في جُمَلٍ من نوع:
(نحن في آخر اللحظات)، (العلامات الكبرى قد ظهرت)، (لم يبقَ إلَّا النداء
السماويُّ).
وفي كلِّ مرَّةٍ تُكذِّبها الأيَّام، يجدون تأويلاً جديداً يُبقي نارهم مشتعلة؛
يقولون: (الموعد تأخَّر لحكمةٍ)، أو (الظهور القريب ابتلاءٌ للصابرين). وهكذا
تُصبِح الكذبة الأُولى أصلاً لعقيدةٍ متجدِّدةٍ لا تنتهي، لأنَّها قائمةٌ على
الإحساس لا على البرهان.
لكنَّ الموقِّت لا يُدرك أنَّه حين يُؤسِّس جماعته على الوعد المؤجَّل،
فإنَّه
يُؤسِّسها على الوقود ذاته الذي سيُحرقها لاحقاً، لأنَّ الأمل الذي بُنِيَ على
تاريخٍ محدَّدٍ لا بدَّ أنْ ينكسر حين يأتي التاريخ ويمضي دون أنْ يتحقَّق شيء، ومن
هنا تبدأ مرحلة الانهيار الداخليِّ، التي تُؤدِّي إمَّا إلى الانشقاقات، أو إلى
ظهور زعيمٍ جديدٍ أكثر جُرأةً يدَّعي وصلاً أعمق بالغيب.
وقد لاحظ علماء الاجتماع أنَّ الجماعات الدِّينيَّة المغلقة تمرُّ دائماً بهذه
الدورات: تأسيسٌ على الإيمان، توسُّعٌ بالعاطفة، استقرارٌ بالسلطة، سقوطٌ بالخيبة،
ثمّ ولادةٌ جديدةٌ تحت اسمٍ آخر، فالفكر لا يموت، بل يُعيد تشكُّله ما دام القلق
نفسه قائماً في النفوس، ومن هنا كانت مسؤوليَّة العلماء والمرجعيَّات أنْ تُبقي
الإيمان حيًّا، لكنَّها لا تسمح له بالتحوُّل إلى نظامٍ من الخرافة.
إنَّ التنظيمات الموقِّتة ليست انحرافاً طارئاً، بل هي جزءٌ من التاريخ الطبيعيِّ
للوجدان الدِّينيِّ حين يفقد توازنه، فالإنسان الذي لا يستطيع أنْ يحتمل الغيبة،
يُحوِّلها إلى حضورٍ رمزيٍّ عبر الزعيم، والزعيم الذي لا يستطيع أنْ يحتمل العجز،
يُحوِّل الانتظار إلى سلطةٍ تُبرِّر وجوده، وهكذا تتوالد الجماعات، واحدةً بعد
أُخرى، كلٌّ تزعم أنَّها الأقرب إلى الموعد، وكلٌّ تُبرِّر فشلها بأنَّها
(مُمتحَنةٌ في الصبر).
وفي كلِّ جيل، يُولَد الموقِّت من جديدٍ بأسماءٍ أُخرى: مرَّةً يُسمَّى الباحث في
العلامات، ومرَّةً حامل الأسرار، ومرَّةً صاحب الرؤيا، ومرَّةً الواسطة بين الإمام
وأتباعه. والناس، ما داموا عطشى إلى
الغيب، يجدون فيه المرآة التي تُريهم ما يريدون
أنْ يروا، إنَّه ليس نتاجَ الجهل فقط، بل نتاجَ الشوق أيضاً؛ شوقٌ إلى معنى ملموسٍ
في زمنٍ صامتٍ.
ومن هنا، فإنَّ مواجهة هذه الظاهرة لا تكون بتكذيبها فحسب، بل بفهمها، فالموقِّت في
جوهره ليس عدوًّا للعقيدة، بل شاهدٌ على وجعها، لكنَّه حين يلبس وجعها ثوب السلطة،
يُصبِح خطراً على الإيمان نفسه؛ لذلك لا بدَّ من وعيٍ جديدٍ يُفرِّق بين العطش إلى
الإمام، وبين محاولة امتلاك الإمام، فالأوَّل عبادة، والثاني شركٌ خفيٌّ في
المقامات.
وهكذا يُمكِن القول: إنَّ التنظيمات الموقِّتة هي المرآة الاجتماعيَّة لعجز
الأُمَّة عن التوازن بين الغيب والعمل، وحين يفهم المؤمنون هذه المعادلة، يسقط سحر
الموقِّت، لأنَّ سلطته لا تقوم على دليلٍ، بل على الفراغ النفسيِّ الذي يُحيط
بالغيب.
* * *
اللغة الجديدة.. كيف تصنع التنظيمات خطابها الخاصَّ وتُعيد تشكيل الوعي؟
ما إنْ يتكوَّن التنظيم الموقِّت حتَّى يبدأ أُولى خطواته في تثبيت وجوده عبر
اللغة، لأنَّ اللغة ليست مجرَّد وسيلةٍ للتواصل، بل هي أوَّل أشكال السلطة. فمَنْ
يملك تعريف الأشياء، يملك توجيه الوعي، ومَنْ يُحدِّد معنى (الإمام)، و(الظهور)،
و(التمهيد)، و(العلامة)، يملك النفوذ على مَنْ يؤمن بها؛ لذلك تُدرك هذه التنظيمات
منذ بداياتها أنَّ معركتها ليست مع النصِّ، بل مع تفسير النصِّ، فيُعيدون بناء
اللغة لتُصبِح عالماً مغلقاً لا يفهمه إلَّا مَنْ ينتمي إليهم.
في البداية، يحرص الموقِّت على استخدام المصطلحات الدِّينيَّة المألوفة، حتَّى
يُشعِر الناس أنَّه من نسيجهم، ثمّ يبدأ بتغيير دلالاتها تدريجيًّا. فالـ (ظهور) لم
يعد وعداً غيبيًّا، بل أصبح مشروعاً سياسيًّا أو مهديًّا قريباً. و(العلامات) لم
تعد رموزاً للتذكير، بل مؤشِّراتٍ تنفيذيَّةٍ. و(التمهيد) لم يعد إصلاحاً ذاتيًّا،
بل تحرُّكاً جماعيًّا بإشراف القيادة الروحيَّة. وهكذا، تتسلَّل المفاهيم الجديدة
تحت أسماءٍ مألوفةٍ، فيخدع التشابه السامع، بينما الجوهر تغيَّر.
تُنشِئ التنظيمات الموقِّتة لنفسها قاموساً خاصًّا، لا يُعلَن رسميًّا،
لكنَّه
يُتداول بين أتباعها في الخطاب اليوميِّ، فيُقال: (وصل الأمر)، (أُذِنَ بالتكليف)،
(النداء قريب)، (التصفية بدأت)، (الفرز جارٍ)، وكلُّها تعبيراتٌ توحي بأنَّهم في
قلب الحَدَث المهدويِّ، بينما سائر الناس في الخارج يعيشون في (الغفلة)، هذه
المفردات تُنتِج ما يمكن تسميته بـ (اللغة المغلقة) لغة تُؤسِّس الهويَّة وتُفكِّك
المجتمع في الوقت نفسه، لأنَّها تخلق داخلَ الدِّين ديناً آخر، له ألفاظه وطقوسه
ومعاييره الخاصَّة.
ولا يقتصر الأمر على الكلمات، بل يمتدُّ إلى النغمة التي تُقال بها، فالتنظيم
الموقِّت يتبنَّى أُسلوباً لغويًّا مفعماً باليقين، خالياً من الشكوك، مطعَّماً
بالرمزيَّة، فيُصبِح الخطاب أشبه بالمزامير الغيبيَّة: لا تُقدِّم دليلاً، بل تُثير
رهبةً وجدانيَّةً تُغني عن الدليل، فاللغة هنا ليست لنقل الحقيقة، بل لبناء الإحساس
بالحقيقة. ولذلك، فإنَّ أتباع هذه الجماعات لا يُصدِّقون الموقِّت لأنَّه أقنعهم،
بل لأنَّ كلماته تُشعِرهم بالسكينة التي فقدوها.
ومع الوقت، تتحوَّل اللغة إلى طقسٍ، يُكرَّر حتَّى يُصبِح عقيدة. فكلُّ عبارةٍ
تتكرَّر على الألسنة تُعيد تشكيل الدماغ العاطفيِّ للجماعة، وتجعلها تأنس بها أكثر
من النصوص الأصليَّة، وهذا ما يُسمِّيه علماء الاجتماع بـ (تقديس اللغة
الثانويَّة)، أي أنْ تُصبِح مصطلحات الجماعة أكثر حضوراً في الوعي من مصطلحات
الدِّين نفسه، فيُصبِح (النداء السماويُّ) أكثر ذكراً من (الصلاة)، و(التمهيد) أكثر
حماساً من (الإصلاح)، و(الرؤية) أكثر قداسةً من (العلم).
وهكذا يُعاد ترتيب الأولويَّات دون قرارٍ صريح: تُنسى السُّنَن اليوميَّة البسيطة التي تُربِّي الإيمان، ويُركَّز على الكلمات الكبيرة التي تُشعِل الحماسة، والناس بطبعهم يميلون إلى العبارات التي تحمل وعداً ومغامرةً، أكثر من تلك التي تدعوهم إلى العمل الصامت. وهنا ينجح التنظيم في تحويل اللغة إلى سُلَّمٍ نفسيٍّ للهيمنة.
* * *
التقسيم بين (خطابٍ عامٍّ) و(خطابٍ خاصٍّ)
في العلن، يتحدَّث الموقِّت بلغةٍ متسامحةٍ ومفتوحةٍ حتَّى لا يُثير الريبة،
فيتحدَّث عن الأخلاق والإصلاح وخدمة الإمام، أمَّا في الخفاء، فله لغةٌ أُخرى،
حادَّة، مليئة بالتكليفات والرموز، فالخارجون يُسمَّون (الممتحنين)، والمنتقدون
(المنكرين)، والمراجع (المتأخِّرين في الفهم)، وبذلك تُنشَأ طبقةٌ لغويَّةٌ
باطنيَّةٌ تُميِّز الداخل عن الخارج، وتُغلِق الجماعة على نفسها من الداخل.
ومن هنا، تنشأ قوَّة التنظيم: فاللغة الباطنيَّة تُولِّد شعوراً بالتميُّز، مَنْ
يفهمها يشعر بأنَّه من (الخاصَّة)، وأنَّ له علماً لا يعرفه أحد. وهذه اللذَّة
المعرفيَّة هي ما يُغذِّي انتماء الفرد للجماعة أكثر من أيِّ مصلحةٍ مادّيَّةٍ.
فكلُّ إنسانٍ يُحِبُّ أنْ يشعر بأنَّه في الدائرة الأقرب، وأنَّ له مكاناً في قلب
السرِّ. والموقِّت الذكيُّ يعرف كيف يُغذِّي هذا الشعور بالتدريج، حتَّى يُصبِح
الانتماء للجماعة هو هويَّة الشخص، لا اختياره.
وفي هذه اللحظة، تُصبِح اللغة نفسها نظام حمايةٍ للتنظيم. فمَنْ يُريد أنْ يُراجع
الموقِّت أو يناقشه لا يجد مدخلاً، لأنَّ الكلام عندهم أصبح شفرةً لا تُفَكُّ إلَّا
من الداخل، وكلُّ اعتراضٍ يُترجَم إلى (اختبارٍ
من الله)، وكلُّ شكٍّ يُؤوَّل على
أنَّه (تمحيصٌ للمؤمنين)، وهكذا تنقلب اللغة من وسيلةٍ للفهم إلى أداةٍ للغلق، ومن
طريقٍ إلى الحقيقة إلى سورٍ حول الوهم.
ولأنَّ التنظيم الموقِّت يحتاج دائماً إلى تغذيةٍ رمزيَّةٍ جديدةٍ تُبقي النار
مشتعلة، فإنَّه يُعيد صياغة الأحداث العامَّة لتُناسب خطابه. فإذا وقعت حربٌ في
مكانٍ ما، قالوا: هذه علامة. وإذا تغيَّر حاكمٌ أو انهار اقتصادٌ، قالوا: هذه بداية
التحوُّل، وكلُّ خبرٍ في العالم يُصبِح جزءاً من نبوءتهم الكبرى، وهكذا يُصاغ
الواقع اليوميُّ بعيونٍ مهدويَّةٍ ضيِّقةٍ لا ترى في التاريخ إلَّا تمهيداً لتأكيد
روايتهم.
ولعلَّ أخطر ما في هذه اللغة أنَّها تُفرغ النصَّ من مقصده وتملأه بظلالها،
فالروايات المهدويَّة، التي كانت دعوةً إلى الصبر والتهيُّؤ، تتحوَّل في خطابهم إلى
خرائط وأسماء، والقرآن الذي كان يُربِّي الناس على انتظار وعد الله دون استعجال،
يُقرَأ في سياقٍ من الارتقاب السياسيِّ، وهكذا تتحوَّل اللغة الدِّينيَّة إلى جهازٍ
من أجهزة التنظيم، تُعيد تفسير الغيب بما يخدم حضور الجماعة وزعيمها.
إنَّ إعادة إنتاج اللغة هي إعادة إنتاج الوعي، لأنَّ الإنسان لا يرى إلَّا بالكلمات
التي يُفكِّر بها، فإذا غُيِّرت مفرداته، غُيِّرت رؤيته للعالم. ومن هنا، يُصبِح
أتباع التنظيم الموقِّت عاجزين عن رؤية الحقيقة خارج مفرداتهم الخاصَّة؛ لأنَّهم
فقدوا القدرة على التفكير بلغةٍ أُخرى، وهذه هي ذروة السيطرة: أنْ تُقنِع الإنسان
أنَّه حرٌّ بينما هو لا يعرف كيف يتكلَّم بلغتك.
ولذلك، فإنَّ مقاومة هذه التنظيمات لا تبدأ بتفنيد أرقامها أو مواعيدها، بل بإعادة
بناء اللغة الدِّينيَّة الأصليَّة في وعي الناس، اللغة التي تقول: الغيب أمانة،
والانتظار تكليف، والظهور وعدٌ لا يُبرمَج. فحين يُستعاد المعنى الصحيح للكلمة،
تسقط سلطات كثيرة؛ لأنَّ الكلمة هي أوَّل ما فسد، وهي أوَّل ما يجب إصلاحه.
وقد أدرك الأئمَّة (عليهم السلام) خطورة هذا الانحراف اللغويِّ، فكانوا يُحذِّرون
من (تفسير القرآن بالرأي)(١٦)؛ لأنَّه يفتح الباب أمام التأويلات التي تُلبِس
الأهواء ثوب الدِّين، فالتنظيم الموقِّت هو استمرارٌ لهذا التفسير بالرأي في صورةٍ
جماعيَّةٍ معاصرة: كلُّ شيءٍ يُؤوَّل على قدر مصلحته، وكلُّ غموضٍ يُفسَّر بلسان
الجماعة لا بلسان الله.
إنَّ اللغة في هذه التنظيمات لا تُستخدَم للتعبير عن الإيمان، بل لتثبيته كهويَّةٍ
سياسيَّةٍ. وكلَّما ضاقت المفردات، اتَّسعت التبعيَّة؛ لذلك فإنَّ مقاومة هذا النمط
من الخطاب تتطلَّب ثورةً في المعجم لا في العنف، يجب أنْ تعود الكلمة إلى معناها
الأوَّل، لا إلى معناها التنظيميِّ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٦) عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اَلله (عليه السلام)، قَالَ:
«مَنْ فَسَّرَ اَلْقُرْآنَ بِرَأْيِهِ فَأَصَابَ لَمْ يُؤْجَرْ، وَإِنْ أَخْطَأَ
كَانَ إِثْمُهُ عَلَيْهِ». تفسير العيَّاشي (ج ١/ ص ١٧/ ح ٢).
وَعَنْ عَبْدِ اَلرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَلله (صلَّى الله
عليه وآله): «... مَنْ فَسَّرَ اَلْقُرْآنَ بِرَأْيِهِ فَقَدِ اِفْتَرَى عَلَى
اَلله اَلْكَذِبَ...». كمال الدِّين (ص ٢٥٧/ باب ٢٤/ ح ١).
وَعَنْ اَلْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ (عليه السلام)، قَالَ: «... سَمِعْتُ جَدِّي
رَسُولَ اَلله (صلَّى الله عليه وآله) يَقُولُ: مَنْ قَالَ فِي اَلْقُرْآنِ
بِغَيْرِ عِلْمٍ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ اَلنَّارِ». التوحيد للصدوق (ص ٩٠
و٩١/ باب ٤/ ح ٥).
فالنجاة لا تكون بتكسير الجماعة، بل بتفكيك لغتها، لأنَّ اللغة هي روحها. وما دامت الكلمة (الظهور) تُفهَم على أنَّها (نهاية العالم القريبة)، فسيظلُّ الناس يبحثون عن مَنْ يُطمئنهم أنَّها اليوم. أمَّا حين تُفهَم على أنَّها (قيام الحقِّ في كلِّ زمانٍ)، فإنَّ الموقِّت يفقد مكانه، لأنَّ الفكرة عادت إلى الله لا إلى الموعِد البشريِّ.
* * *
التوقيت كأداةٍ للسلطة والسيطرة والصدام مع المرجعيَّة ثمّ تفكيك الظاهرة وإعادة الوعي
حين تتحوَّل الفكرة إلى جماعة، تتحوَّل العقيدة إلى سلطة، والسلطة بطبيعتها لا
تكتفي بأنْ تُقنِع، بل تُريد أنْ تُطاع، ومن هنا تبدأ المرحلة الأخطر في مسار كلِّ
تنظيمٍ موقِّتٍ: مرحلة تحويل الوعد الإلهيِّ إلى نظامٍ اجتماعيٍّ للضبط والسيطرة.
فالموقِّت بعد أنْ جمع حوله المؤمنين، يحتاج إلى أنْ يُحافظ على تماسكهم، لأنَّ
الجماعة التي بُنيت على الخيال لا تعيش إلَّا بالتغذية المستمرَّة. والوسيلة الأنجع
للحفاظ على ولائهم ليست العلم، بل الخوف من فقدان المكانة الروحيَّة. وهكذا،
يتحوَّل التوقيت من فكرةٍ إلى أداةٍ للسلطة، ومن بشارةٍ إلى تهديدٍ مستترٍ.
يُقال للأتباع: (اقترب الموعد، فاحذروا أنْ تكونوا من المتأخِّرين)، ويُقال لهم:
(إنَّ مَنْ يُشكِّك في الأمر إنَّما يُؤخِّر الظهور)، وتُقال العبارة الأخطر: (مَنْ
شكَّ فيَّ فقد شكَّ في الإمام).
وبهذه الجملة القصيرة يُغلِق التنظيم آخر نوافذه على الضوء، لأنَّها تخلط بين
النيَّة والنيابة، بين الولاء للإمام والولاء للمتكلِّم باسمه، هكذا تُبنى منظومة
الطاعة في هذه الجماعات: ليست طاعةً للعقل، بل
طاعةً للمشاعر، طاعةً تقوم على
(الخوف من أنْ يُسقِطك الله من عينه إنْ شككتَ)، لا على (الرجاء في أنْ يُنير لك
الطريق إنْ بحثتَ).
إنَّها طاعةٌ عاطفيَّةٌ تُمزَج بالرهبة، وتُغلَّف بالدعاء، وتُقدَّم للناس على
أنَّها أعلى درجات التسليم، بينما هي في حقيقتها استسلامٌ لإرادةٍ بشريَّةٍ لبست
ثوب الغيب. إنَّ التحليل النفسيَّ لهذه الظاهرة يُظهر أنَّ الموقِّت يمارس ما
يُعرَف في علم النفس السياسيِّ بـ (التقديس المتبادل)، فهو يُقدِّس أتباعه بوصفهم
(خيرة الأُمَّة)، وهم يُقدِّسونه بوصفه (عين الغيب فيهم)، وكلُّ تقديسٍ متبادلٍ
يُنتِج علاقةَ تبعيَّةٍ مطلقةٍ؛ لأنَّ كِلا الطرفين يظنُّ أنَّه يخدم الله في خدمة
الآخر، وهكذا يتحوَّل الإيمان الصافي إلى دائرةٍ مغلقةٍ من المجاملة الروحيَّة التي
تُعطِّل التفكير وتُبرِّر الأخطاء.
ومع الوقت، يتطوَّر الخطاب الداخليُّ للجماعة من البشارة إلى التهديد، فكلُّ تأخيرٍ
في الموعد يُفسَّر بأنَّ (الناس قصَّروا)، وكلُّ اعتراضٍ يُعتبَر (ابتلاءً من
الإمام)، وكلُّ فشلٍ يُحوَّل إلى (امتحانٍ في الصبر)، وهكذا يُعاد تدوير الفشل في
قالبٍ إيمانيٍّ جديدٍ، فيبقى القائد مصيباً دائماً، والجماعة على حقٍّ دائماً،
والزمان هو المخطئ الوحيد.
وفي لحظةٍ ما، حين تترسَّخ البنية التنظيميَّة، يُصبِح الموقِّت أكثر جرأةً على ما
لم يكن يجرؤ عليه من قبل، فقد يبدأ بـ (التقدير)، ثمّ (التأكيد)، ثمّ (التكليف)،
حتَّى يصل إلى (التنفيذ)، وهنا تتجاوز الجماعة مرحلة التوقيت لتدخل في مرحلة
الوصاية على الغيب: فالقائد
لا يتحدَّث فقط عن الظهور، بل عن ما يجب أنْ يفعله
الناس (قبل الظهور)؛ فيُصدِر الأوامر والنواهي، ويُعيد صياغة الطاعة الشرعيَّة في
صورة تكليفٍ خاصٍّ مرتبطٍ بموعدٍ إلهيٍّ لا يملكه أحد.
في هذه اللحظة، يُصبِح التوقيت (سُلطةً ماورائيَّةً)، تُخضِع الأتباع بلا قسرٍ
مادِّيٍّ، بل بقسرٍ رمزيٍّ، فالخوف من (فوات الظهور) أقوى من الخوف من أيِّ عقوبةٍ
دنيويَّةٍ، وكلُّ مَنْ يشكُّ أو يتراجع يُوصَف بأنَّه (من الممحوقين)، أو (من
الممتحنين)، أو (من الذين لم يُثبِّت اللهُ قلوبهم)، وهكذا، تُحاصَر حرّيَّة الفكر
داخل خطابٍ مفعمٍ بالإيمان، بينما هو في حقيقته إلغاءٌ لجوهر الإيمان.
ومن أخطر آثار هذه السلطة أنَّها تُعيد تشكيل الوعي الجمعيِّ للمؤمنين؛ فتُصبِح
المرجعيَّة الشرعيَّة في نظرهم (منزلةً مؤجَّلةً) لا يُحتاج إليها ما دام (الأمر)
قائماً، فيُقال لهم: (العلماء منشغلون بالظاهر، ونحن نحمل الباطن)، ويُقال أيضاً:
(المرجعيَّة تنتظر، ونحن نُمهِّد)، وبهذا التقابل الخفيِّ تُزرَع في النفوس فكرة
أنَّ المرجعيَّة في مرحلةٍ من التأخُّر عن الحَدَث الإلهيِّ، وأنَّ الجماعة الجديدة
هي (اليد الخفيَّة التي تُعَدُّ الأرض للظهور).
إنَّه صدامٌ هادئٌ، لا يُعلِن الحرب على العلماء، بل يُلغِيهم بصمتٍ تحت عناوين
الاحترام؛ فالموقِّت لا يقول: (لا تتَّبعوا المرجع)، بل يقول: (المرجع له مجاله،
ونحن لنا التكليف الخاصُّ)، وهذا الخطاب هو أخطر أنواع الانحراف؛ لأنَّه لا يهدم
صراحةً، بل يُعيد ترتيب
المراتب الإيمانيَّة في وعي الناس، فيضع نفسه في مرتبة
(التكليف الإلهيِّ)، ويضع المرجع في مرتبة (العلم البشريِّ)، فيُفقِد الجمهور
البوصلة التي تُفرِّق بين الاجتهاد والإلهام.
ولأنَّ المرجعيَّة تُمثِّل في الوعي الشيعيِّ (ضمير الجماعة)، فإنَّ أيَّ محاولةٍ
لعزلها هي في حقيقتها محاولةٌ لعزل الضمير نفسه، فالجماعة التي تنفصل عن ضميرها
تفقد القدرة على تصحيح مسارها؛ لأنَّها لم تَعُد تسمع سوى صداها الداخليِّ، وحين
تغيب المرجعيَّة، تحضر الكارثة: كلُّ شخصٍ يُصبِح مرجعاً في التأويل، وكلُّ حلمٍ
يُصبِح دليلاً، وكلُّ حدسٍ يُصبِح فتوًى.
وفي تلك اللحظة، يدخل التنظيم مرحلة الاضمحلال الداخليِّ، لأنَّ الجماعة التي تُبنى
على الكاريزما لا تعيش أكثر من صاحبها، فالموقِّت، مهما بلغت هيبته، محكومٌ بموعدٍ
لم يتحقَّق، وما إنْ ينقضي الزمن الذي وعد به دون أنْ يظهر الإمام، حتَّى يبدأ
التصدُّع: فبعضهم يُبرِّر، وبعضهم ينشقُّ، وبعضهم ينهار في الإيمان نفسه. وهكذا،
تكون نهاية كلِّ تنظيمٍ موقِّتٍ هي عكس ما وعد به: خيبةٌ تُضعف الإيمان لا
تُقوِّيه.
غير أنَّ خطورة هذه الظاهرة لا تنتهي بانهيارها الظاهريِّ، لأنَّها تترك أثراً
باطنيًّا طويل الأمد في وجدان الأُمَّة: فقدان الثقة بالخطاب المهدويِّ ذاته، فكلُّ
كذبةٍ عقائديَّةٍ تُضعف الإيمان العامَّ، وكلُّ وعدٍ زائفٍ يجعل الناس أقلَّ
استعداداً لتصديق الوعد الحقيقيِّ، ولهذا كان
تحذير الأئمَّة (عليهم السلام)
صارماً: ليس لأنَّهم يخافون على الغيب، بل لأنَّهم يخافون على الإنسان من اليأس حين
يسقط الغيب في أيدي المتلاعبين به.
ولذلك، فإنَّ تفكيك ظاهرة التنظيمات الموقِّتة لا يكون بالاتِّهام أو النفي، بل
بإعادة الغيب إلى مكانه الطبيعيِّ في البناء الدِّينيِّ، فالغيب ليس ميداناً
للمعلومات، بل ميداناً للثقة، وليس وعداً لتحديد المواعيد، بل دعوةٌ لتهذيب القلوب
كي تكون مستحقَّةً لمجيء العدل.
فحين يفهم المؤمن أنَّ الغيب ليس جزءاً من سلطته، يتحرَّر من كلِّ مَنْ حاول أنْ
يتسلَّط عليه باسمه، وحين يعود الخطاب المهدويُّ إلى أصله القرآنيِّ - وعدٌ مشروطٌ
بالعمل، لا بموعدٍ زمنيٍّ - تسقط كلُّ الأسوار التي بناها الموقِّتون حول عقول
الناس؛ لأنَّ السلطة التي تُبنى على الخوف من الغيب، تُدمَّر حين يُصبِح الغيبُ
محلَّ الطمأنينة لا الرعب.
إنَّ الله لم يُخفِ الظهور عن عباده ليحرمهم من الأمل، بل ليحميهم من عبوديَّة
المواعيد الزائفة؛ ولذلك، فإنَّ أوَّل خطوةٍ نحو (الوعي المهدويِّ الناضج) هي أنْ
نُعيد تعريف الطاعة: ليست الطاعة أنْ تُغلِق عقلك أمام رجلٍ يقول: (إنِّي أعلم)، بل
أنْ تفتح قلبك أمام الله الذي يقول: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ
الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ (الأنعام: ٥٩)، بهذا فقط تُستعاد
المهدويَّة من أيدي التنظيمات السرّيَّة إلى سكينة الإيمان،
وبهذا فقط يُصبِح الانتظار فعلاً من أفعال الوعي، لا من انفعالات الغرور، فمَنْ صدَّق الموقِّت فقد جعل من خوفه مرجعاً، ومَنْ سلَّم لله فقد جعل من إيمانه وطناً.
* * *
من حُبِّ الإمام إلى صناعة
البديل:
ليس في وجدان الإنسان سؤالٌ أعمق من سؤال الخلاص، فمنذ أنْ وعى الإنسان ضعفه أمام
الموت والظلم والفساد، وُلِدَ في داخله توقٌ سرِّيٌّ إلى المخلِّص، إلى اليد التي
تُعيد للعالم توازنه وللروح معناها، هذا الشوق ليس ترفاً عاطفيًّا، بل فطرةٌ
مغروسةٌ في لُبِّ الوجود، هي التي تجعل الإنسان يرفض أنْ يكون العالم عبثاً. ومن
هنا، ترسَّخت فكرة الإمام المنتظَر في الضمير الدِّينيِّ كصورةٍ أعلى للعدل
الإلهيِّ المؤجَّل، وكأُفُقٍ مفتوحٍ على الرجاء.
لكن حين يطول الانتظار، ويُرهِق الزمان قلوب المؤمنين، يتبدَّل الإيقاع الباطن لهذا
الحُبِّ، فما كان دعاءً يتَّجه إلى الغيب، يبدأ يتحوَّل إلى رغبةٍ في رؤيته، وما
كان رجاءً يتحوَّل إلى مطالبةٍ بالتحقُّق، وما كان عشقاً للإمام يصير توقاً لأنْ
يُرى الإمام في أحد، وهنا تبدأ المسافة الدقيقة بين العبادة والبديل.
الإمام في الوعي الدِّيني ليس شخصاً فقط، بل رمزٌ للحقِّ الإلهيِّ الكامل، حضورٌ
للعدل في أقصى معانيه، وحين يطول غيابه، يبدأ العقل الجمعيُّ بتوليد أشكالٍ بديلةٍ
للحضور يتخيُّل أنَّها تُشبهه من
بعيد وتُطمئن القلب المرهق من الانتظار، في
البداية يكون الأمر على هيأة الأُمنيات: (لعلَّه ظهر ولم نعرفه)، (لعلَّه بيننا)،
ثمّ يتحوَّل إلى بحثٍ جادٍّ في الوجوه، ثمّ إلى يقينٍ إسقاطيٍّ: (هذا هو)، ومن هنا
تبدأ فتنة التطبيق على الأشخاص.
من الحُبِّ إلى التقمُّص:
في أعماق هذه الظاهرة يكمن عنصرٌ نفسيٌّ دقيقٌ: الإنسان لا يحتمل أنْ يُحِبَّ
كمالاً غائباً، فالمحبَّة إذا لم تجد صورةً تُعبِّر عنها، تحوَّلت إلى إسقاطٍ على
أوَّل مَنْ يُشبه المحبوب في الملامح أو في اللغة أو في الادِّعاء، وهكذا تتكرَّر
على مدى القرون قصَّة الحُبِّ التي تنقلب إلى خديعة النفس: كلُّ مَنْ تكلَّم بلسان
الإمام، أو دعا إلى العدل، أو رفع راية الإصلاح، يجد في قلوب الناس استعداداً
فوريًّا لأنْ يُلبِسوه ثوب المخلِّص المنتظَر.
إنَّ اليمانيَّ في الوعي الشعبيِّ ليس مجرَّد رمزٍ لعلامةٍ وردت في الروايات، بل هو
صورةٌ من صور الأمل القريب؛ ولهذا فإنَّ كلَّ ثائرٍ أو خطيبٍ أو داعيةٍ يُتقِن لغة
الغيب ويُظهر الشجاعة أمام الظلم، يجد من الناس مَنْ يقول: (هذا هو اليمانيُّ
الموعود)، إنَّها ليست قراءةً خاطئةً للنصِّ فحسب، بل استجابةٌ عاطفيَّةٌ لحاجةٍ
داخليَّةٍ إلى تجسيد الخلاص، فحين يتعب القلب من المجاز، يبحث عن وجهٍ ليُصدِّقه،
وحين يُرهِق الناس الغياب، يُصدِّقون أيَّ حضورٍ يُشبه الغيب.
أمَّا شعيب بن صالح، فله جذوره في اللَّاوعي الجمعيِّ للمؤمنين
بوصفه (قائدَ
المرحلة السابقة للظهور)، أي العسكريُّ المخلِّص، إنَّه الرمز الذي يُوفِّق بين
الرجاء الروحيِّ والقوَّة الدنيويَّة، بين السيف والإيمان؛ ولذلك، ما إنْ تندلع
حربٌ أو تُرفَع رايةٌ، حتَّى يتسابق البعض لتطبيق الروايات عليه، وكأنَّهم يُريدون
أنْ يقولوا للعالم: (ها قد اقتربت النهاية، لقد عاد التاريخ ليتكلَّم).
وفي هذا المشهد النفسيِّ يختلط الحُبُّ بالإسقاط، والإيمان بالخيال، فيُعاد رسم
ملامح المخلِّص بما يناسب الحاجة الآنيَّة، إنَّها ليست قراءةً في النصوص بقدر ما
هي محاولةٌ لطمأنة النفس، فكلُّ جماعةٍ تُريد أنْ ترى في زمانها شيئاً من النبوءة
لتُقنِع نفسها بأنَّ انتظارها لم يَذهب سُدًى؛ ولهذا نرى أنَّ الجماعات التي تكثر
فيها الأزمات السياسيَّة والخيبات الاجتماعيَّة هي أكثر الجماعات ميلاً إلى تطبيق
الروايات على شخصيَّاتٍ معاصرةٍ، لأنَّها تبحث فيهم عن عزاءٍ جماعيٍّ يُبرِّر
استمرارها.
التحليل النفسيُّ للظاهرة:
من منظورٍ علم النفس الدِّينيِّ، فإنَّ تطبيق الروايات على الأشخاص هو نتيجةٌ
طبيعيَّةٌ لما يُسمَّى بـ (الإسقاط الخلاصيِّ)، أي إنَّ الإنسان حين يعجز عن إصلاح
العالم، يُحوِّل طاقته الإصلاحيَّة إلى صورةٍ مثاليَّةٍ خارج ذاته، ثمّ يُصدِّق
أنَّها الحقيقة، إنَّه لا يكتفي بأنْ ينتظر الإمام، بل يُساعد الله في تعيينه، وهذا
الشعور يمنحه راحةً مؤقَّتةً تُعفيه من ألم السؤال: (لماذا لم يظهر بعد؟!).
الإسقاط هنا ليس جهلاً بالروايات، بل محاولةٌ غير واعيةٍ للسيطرة على الغيب، فمَنْ
لا يستطيع أنْ يُحدِّد الموعد، يُحدِّد المصداق، ومَنْ لم يعرف (متى)، يُريح نفسه
بمعرفة (مَنْ)، وهكذا يُصبِح التطبيق دواءً نفسيًّا لـ (القلق الماورائي)، لكنَّه
دواءٌ يُغلِق جرح السؤال بدل أنْ يشفِيه.
والخطر في ذلك ليس في الشخص الذي وُضِعَ عليه التطبيق - فقد يكون بريئاً من كلِّ
دعوى -، بل في أنْ تتحوَّل العقيدة نفسها إلى منظومةٍ من الأسماء، حينئذٍ يُختزَل
الغيب في بشرٍ، ويُختزَل الانتظار في شخصٍ يُشبه الإمام ولا يكونه، وتضيع المسافة
بين الإشارة والمصداق، بين الدعاء والتمثيل، وما أعمق قول الإمام الصادق (عليه
السلام) في مثل هذا المعنى حين قال: «هَلَكَ اَلمُسْتَعْجِلُونَ، وَنَجَا
اَلمُسَلِّمُونَ»(١٧)؛ فالمستعجلون ليسوا فقط مَنْ حدَّدوا الوقت، بل مَنِ استعجلوا
المصداق.
صناعة المخلِّص:
مع مرور الزمن، يتطوَّر التطبيق من فعلٍ فرديٍّ إلى منظومةٍ اجتماعيَّةٍ تُنتِج
(شخصيَّاتٍ بديلةٍ) للإمام، يبدأ الأمر بعناوين التبجيل، ثمّ يتحوَّل إلى إشاراتٍ
رمزيَّةٍ: (له صفاتُ اليمانيِّ)، (يشبه الخراسانيَّ في نهضته)، (كأنَّه النفس
الزكيَّة في إخلاصه)، حتَّى يُصبِح الكلام إيماناً ضمنيًّا بأنَّ هذه الشخصيَّات هي
بوَّابات الغيب، ويُعاد إنتاج الروايات لتَخدم الفكرة الجديدة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٧) الكافي (ج ١/ ص ٣٦٨/ باب كراهية التوقيت/ ح ٢).
إنَّه إبداعٌ عاطفيٌّ خادعٌ، يبدأ من نيَّةٍ طيِّبةٍ وينتهي إلى خلطٍ في العقيدة،
وفي بعض الحالات، يجد الموقِّت السابق في التطبيق فرصةً لاستعادة سلطته؛ فبعد أنْ
خاب توقيته، يجد في تطبيق الروايات على شخصيَّةٍ معاصرةٍ وسيلةً جديدةً لتجديد
إيمانه بنفسه أمام أتباعه، وهكذا يُصبِح التطبيق استمراراً للغرور بوسيلةٍ أكثر
ذكاءً.
لكنَّ الغيب لا يُطاق حين يُمسَك بالأيدي، فهو إنْ تجسَّد سقط عن غيبيَّته، وإنْ
سقط عن غيبيَّته فقد وظيفته التربويَّة، وهذا هو جوهر الخطأ في التطبيق: إنَّه
يُحوِّل الغيب من أُفُقٍ يُربِّي إلى مشهدٍ يُراقَب، وحين يُراقَب الغيب، يُقتَل
الإيمان، لأنَّ الإيمان لا يعيش إلَّا في المسافة بين المعلوم والمحبوب.
هكذا نرى أنَّ التطبيق على الشخصيَّات ليس مجرَّد انحرافٍ في القراءة، بل انعكاسٌ
نفسيٌّ عميقٌ لحاجة الإنسان إلى وجهٍ يختصر له الطريق إلى الله، ولذلك فإنَّ كلَّ
دعوى تُحدِّد (مَنْ هو اليمانيُّ)، أو (مَنْ هو شعيب بن صالح)، أو (مَنْ هو
الخراسانيُّ)، ليست سوى ترجمةٍ لعجزٍ جمعيٍّ عن احتمال الانتظار، لكنَّ الانتظار
ليس عجزاً، بل تمرينٌ على التوحيد؛ فمَنْ أحبَّ الإمام بقدر ما غاب، لا بقدر ما
حضر، هو وحده الذي يفهم معنى الغيبة.
* * *
الرموز الكبرى في الوعي الشيعيِّ من الإشارة إلى الشخص
لم يكن اليمانيُّ والخراسانيُّ وشعيب بن صالح والنفس الزكيَّة أسماءً لأشخاصٍ
محدَّدين في الذاكرة الدِّينيَّة فحسب، بل رموزاً لمعانٍ روحيَّةٍ وسياسيَّةٍ في
صيرورة التاريخ الإيمانيِّ، لكنَّ الإنسان، بطبعه، لا يكتفي بالرمز المفتوح، بل
يُريد له هيأةً وصوتاً وموطئ قدمٍ في الواقع، ومن هنا بدأت رحلة التحوُّل: من الرمز
القرآنيِّ والروائيِّ إلى التجسيد الميدانيِّ.
١ - من العلامة إلى العَلَم:
العلامة في اللغة من العُلوم، وهي ما يُعرَف به الشيء لا ما يُقدَّس به، وفي
الروايات، كانت العلامات قبل الظهور سبيلاً لمعرفة صدق الطريق لا لادِّعاء الوصل
بالطريق نفسه، لكنَّ النفس التي تبحث عن العَلَم، أي الراية، سرعان ما تُحوِّل
العلامة إلى عَلَمٍ يُرفَع، وإلى شخصٍ يُتَّبع، وهكذا تحوَّلت رموزٌ مثل:
(اليمانيِّ) و(الخراسانيِّ) من إشاراتٍ على صدق المسار إلى شخوصٍ يُحدَّد لها مكانٌ
وزمانٌ وانتماءٌ سياسيٌّ.
إنَّ اليمانيَّ في الوجدان الشيعيِّ، كما يظهر في كثير من الروايات، كان مثالاً
للنهضة النقيَّة من الانحراف، ورايةً للهداية في زمن التيه،
لكن حين تُصبِح
الأُمَّة في أزمةٍ من القيادات، تبحث عن أيِّ رايةٍ لتطمئنَّ إليها، فيُقال: (كلُّ
رايةٍ قبل راية اليمانيِّ باطل)، وهنا تبدأ المفارقة: النصُّ أراد تنزيه اليمانيِّ
بوصفه معياراً للطهارة، فحوَّل الناسُ كلَّ رايةٍ إلى احتمالٍ أنْ تكون رايته.
فصار اليمانيُّ يتكثَّر في كلِّ بلدٍ وفي كلِّ جيلٍ، لأنَّ الناس بحاجةٍ إلى
(يمانيِّهم الخاصِّ) الذي يُعيد لهم المعنى، إنَّها حالة إسقاطٍ جمعيٍّ للرمز على
الواقع السياسيِّ، حيث يبحث كلُّ تيَّارٍ عن نفسه في النصِّ، فيقول: (نحن
اليمانيُّون)، أو (زعيمنا هو اليمانيُّ)، لأنَّ اليمانيَّ بات رمزاً للشرعيَّة
الدِّينيَّة في آخر الزمان، وبذلك تحوَّل (اليمانيُّ) من رمزٍ للحقِّ إلى أداةٍ
لتبرير الذات.
٢ - الخراسانيُّ وشهوة التنظيم:
أمَّا الخراسانيُّ، فقد كان في الروايات رمزاً للتهيئة والنظام، لظهور حركةٍ
منظَّمةٍ تُمهِّد للإمام بالعلم والسياسة برئاسة شخص يتمتَّع بمواصفات إيمانيَّة
خاصَّة، لكنَّ بعض الجماعات وجدت في هذا الرمز وسيلةً لتأطير وجودها التنظيميِّ،
فأُعطيت بعض الأحزاب أو الجماعات الدِّينيَّة في إيران والعراق أو أفغانستان لقب
(الخراسانيُّ)؛ لأنَّها تُريد أنْ تُبرِّر مشروعها السياسيَّ المعاصر بأنَّه تحقيقٌ
للوعد الروائيِّ.
وفي هذا التحوُّل الخطير، نجد العقل السياسيَّ يستخدم النصَّ الغيبيَّ لتأليه
الواقع؛ فيُصبِح كلُّ قائدٍ يرى نفسه ممثِّلاً لراية الخراسانيِّ،
ويُصبِح كلُّ
مخالفٍ له خارجاً على التمهيد، إنَّها الآليَّة ذاتها التي حوَّلت الدِّين من
مرجعيَّةٍ للضمير إلى جهازٍ للشرعيَّة، ولذلك فإنَّ التطبيق على الخراسانيِّ هو
أخطر تطبيقٍ في المنظومة الروائيَّة؛ لأنَّه يُبرِّر الحكم باسم الانتظار، ويُقنِّن
السلطة باسم الغيب.
٣ - شعيب بن صالح.. الحاجة إلى
البطل العسكريِّ:
أمَّا شعيب بن صالح فهو في المخيال الشيعيِّ نموذج (القائد الميدانيِّ الموعود)
الذي يقود الراية الخراسانيَّة، وتسبقه انتصارات تُمهِّد لظهور الإمام في أزمنة
الاضطراب، تشتدُّ الحاجة إلى هذه الصورة، لأنَّها تُعيد التوازن بين الروح
والقوَّة، لكنَّ الإسقاط عليه في كلِّ حربٍ أو ثورةٍ يُفرغ الرمز من مضمونه.
فكلُّ متمرِّدٍ يُشبه في ملامحه قائداً صالحاً يُصبِح في الوعي الشعبيِّ (شعيباً)
جديداً، حتَّى إذا خاب الظنُّ به، تفرَّق الناس باحثين عن شعيبٍ آخر، وهكذا يُعاد
إنتاج الأُسطورة في كلِّ عقدٍ، بنفس الشغف، وبنفس الخيبة. في علم النفس الجمعيِّ،
تُسمَّى هذه الظاهرة: البدائل المتكرِّرة، أي إنَّ الجماعة التي لا تتحمَّل الغياب
تُعيد خلق الغائب في صورٍ متتاليةٍ لتُسكِّن ألم الفقد، وشعيب بن صالح هو هذه
الصورة المتكرِّرة التي لا تموت، لأنَّها تُعبِّر عن حاجةٍ أبديَّةٍ للبطولة
النقيَّة، في عالمٍ امتلأ بالخداع.
٤ - النفس الزكيَّة.. صورة
البراءة الموعودة:
وفي المقابل، تُجسِّد النفس الزكيَّة في الوجدان الروائيِّ صورة
البراءة المظلومة
التي تُقتَل ظلماً قبل الظهور؛ لتكون علامةً على نضج الفتنة وبلوغها الذروة، لكن
حين تُطبَّق الروايات على شخصيَّاتٍ معاصرة، يُفقِد الرمز معناه الأخلاقيَّ.
فكلُّ مقتولٍ يُستَدرُّ به العطف يُصبِح (نفساً زكيَّةً)، وكلُّ مظلومٍ يُرفَع شأنه
يُصبِح (علامة الظهور)، حتَّى تضيع حدود العبرة في ضجيج الأُسطورة، وهكذا يتحوَّل
الألم الإنسانيُّ إلى أداةٍ دعائيَّةٍ، والرمز الروحيُّ إلى شعارٍ سياسيٍّ موسميٍّ.
إنَّ النفس الزكيَّة لم تكن لتُذكَر في الروايات لذاتها، بل لتُذكِّر الإنسان بأنَّ
الدم الذي يُراق ظلماً هو امتحانٌ للأُمَّة، لا وسيلةٌ لاستعجال الوعد، لكنَّ
التطبيق يُحوِّلها إلى دعايةٍ مسيَّسةٍ تُفرغ الدم من معناه وتُحمِّله وظيفةً
رمزيَّةً لم يُردها الله.
٥ - الحسنيُّ.. حلم النَّسَب
وشرعيَّة الدم:
من الرموز التي استُغِلَت كثيراً أيضاً الحسنيُّ، بوصفه من ذرّيَّة الإمام الحسن
(عليه السلام)، وأنَّه يقود حركةً في آخر الزمان، ففي كلِّ زمنٍ يظهر مَنْ يُعلِن
أنَّه من النسل الحسنيِّ، وأنَّ رايته هي الموعودة في الروايات، هذا التطبيق
يُعبِّر عن النزعة النَّسَبيَّة في البحث عن الشرعيَّة، أي الحاجة إلى أنْ يكون
الدم دليلاً على الحقِّ، لا العقل أو العمل.
لكنَّ الوعي القرآنيَّ يردُّ على هذا المعنى بقوله تعالى: ﴿إِنَّ
أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: ١٣)؛ ليُؤكِّد أنَّ الشرف
لا يتحوَّل إلى تكليفٍ تلقائيٍّ، وأنَّ النَّسَب لا يُغني عن الامتحان. إنَّ
التطبيق على الحسنيِّ يُذكِّرنا بأنَّ العقل المطبِّق لا يكتفي بالمقدَّس، بل يُريد
نَسَباً للمقدَّس، وهنا يبلغ الوعي الجمعيُّ ذروة التقديس البشريِّ: أنْ يُلبِس
الغيب دماً، وأنْ يجعل من النَّسَب طريقاً للوعد، فيتحوَّل الانتظار إلى وراثةٍ
عائليَّةٍ للغيب.
٦ - من الحقيقة إلى الادِّعاء:
إنَّ هذه الرموز والشخصيَّات جميعاً وُضِعَت لتُرشِد المؤمنين إلى معاني الصبر
والثبات والتمييز بين الحقِّ والباطل، لا لتُحوَّل إلى خرائط سياسيَّةٍ أو
طائفيَّةٍ، فالإشارة في النصِّ هي طريقٌ إلى المعنى، لا إلى الشخص، لكنَّ التطبيق
جعل منها قوالبَ حديديَّة يُحبَس فيها الغيب، إنَّه تسييجٌ للغيب، كأنَّ الإنسان
يخاف من حرّيَّته في الإيمان فيُفضِّل أنْ يُسلِّمها إلى شخصٍ يُمثِّل عنه الرجاء،
ومن هنا نفهم أنَّ فتنة التطبيق ليست فتنة في الروايات، بل في طبيعة الإنسان الذي
يخاف أنْ ينتظر بلا دليلٍ منظور.
إنَّ الله حين جعل للغيب علاماتٍ لم يُرِد أنْ نُحصيها، بل أنْ نخشع أمامها، لكنَّ
الإنسان، بدلاً من أنْ يتعلَّم الخشوع، تعلَّم الحساب. فحوَّل العلامة إلى تاريخ،
والرمز إلى وجه، والدعاء إلى إعلان؛ ولذلك كانت الروايات عن الإمام المهدي (عجَّل
الله فرجه) تُحذِّر من هذا الطريق، لأنَّه يُحوِّل الانتظار من عبادةٍ إلى فخٍّ
نفسيٍّ للغرور والادِّعاء.
* * *
النتائج النفسيَّة والعقائديَّة لظاهرة التطبيق على الأشخاص.. من الوهم إلى الإيمان الناضج
كلُّ انحرافٍ في الوعي يبدأ من نيَّةٍ صادقةٍ لم تُهذَّب، والتطبيق على الأشخاص -
في ظاهره - ليس تمرُّداً على الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، بل رغبةٌ مفرطة في
رؤيته، لكنَّ النفس التي لا تعرف حدود الشوق، تُحرق بفرط العشق ما يُبقي الإيمان
حيًّا، فالحُبُّ حين يفقد تعقُّله يتحوَّل إلى هوسٍ يقتل المعنى الذي وُلِدَ منه؛
ولذلك، فإنَّ ظاهرة التطبيق، وإنْ بدت عابرةً، تحمل آثاراً عميقةً على البنية
النفسيَّة والعقائديَّة للأُمَّة.
إنَّها تُحدِث تحوُّلاً بطيئاً في جوهر العلاقة بين الإنسان والغيب: فبدل أنْ يكون
الغيب امتحاناً للتسليم، يتحوَّل إلى مساحةٍ للتلاعب والتفسير والاختزال، وبدل أنْ
يكون الإمام سرَّ الله في الأرض، يُصبِح مرآةً لكلِّ ما يريد الناس أنْ يُصدِّقوه
عن أنفسهم.
١ - الاضطراب بين الحُبِّ
والإيمان:
أخطر ما تُنتِجه هذه الظاهرة هو الخلط بين الحُبِّ والإيمان، فالمحبَّة للرمز، حين
تُعفِي النفس من التفكير، تُصبِح إدماناً شعوريًّا على صورةٍ مقدَّسةٍ تُغني عن
التكليف. إنَّ مَنْ يُسقِط الروايات على
شخصٍ معاصرٍ يفعل ذلك لأنَّه يُريد أنْ
يختصر الطريق، أنْ يُحوِّل الحُبَّ إلى حضورٍ فوريٍّ يُطمئن القلب دون جهدٍ روحيٍّ
أو إصلاحٍ ذاتيٍّ.
لكنَّ الإيمان الحقيقيَّ لا يطلب الطمأنينة بل يسير نحوها بالتزكية، ولهذا قال أمير
المؤمنين (عليه السلام): «لَوْ كُشِفَ اَلْغِطَاءُ مَا اِزْدَدْتُ يَقِيناً»(١٨)،
فالمؤمن الذي تهذَّب في الحُبِّ لا يحتاج إلى تجسيدٍ ليطمئنَّ؛ لأنَّ يقينه صار
بصيرةً لا رؤيةً، أمَّا في التطبيق، فإنَّ الحُبَّ يُصبِح وسيلةً للهروب من الصبر،
فيختلط فيه العشق بالخوف، والإخلاص بالرغبة في الخلاص السريع.
وهذا الاضطراب النفسيُّ يُنتِج ديانةً انفعاليَّةً قائمةً على الإثارة والرمز، لا
على العمل واليقين؛ ولذلك نرى أنَّ الجماعات التي تعيش على تطبيق الروايات تتَّسم
بانفعالٍ دائمٍ، ينهار مع أوَّل خيبةٍ أو انكشافٍ، لأنَّها تربَّت على حرارة الرجاء
لا على ثبات الإيمان.
٢ - التناقض العقائديُّ.. من
الانتظار إلى الادِّعاء:
التطبيق يُحوِّل الانتظار إلى حالةٍ من الادِّعاء المتزايد، فكلُّ مَنْ يظنُّ أنَّه
عرف المصداق، يجد نفسه أقرب إلى موقع (العارف بالأمر)، أي الوكيل الرمزيُّ عن
الغيب، وهنا تبدأ (النيابات الصغرى المتجدِّدة) التي لم يأذن الله بها؛ ولذلك، نرى
كيف تتحوَّل بعض الحركات
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٨) غُرَر الحِكَم (ص ٥٦٦/ ح ١).
المهدويَّة إلى أنظمةٍ مغلقةٍ ترى نفسها (أهل السرِّ)
و(حَمَلَة العهد)، وكأنَّ الله اختارهم وحدهم ليعرفوا مَنْ يكون اليمانيُّ أو
الخراسانيُّ.
وهذا الشعور بالاختيار ليس إلَّا صورةً جديدةً من صور الغرور الدينيِّ، لأنَّ كلَّ
مَنْ يرى نفسه داخل السرِّ، يُخرج الآخرين من دائرة النجاة. إنَّ العقيدة
المهدويَّة، كما أرادها الأئمَّة (عليهم السلام)، تقوم على التوحيد لا على التخصيص،
فالمؤمن ينتظر الإمام لأنَّه عبدٌ لله، لا لأنَّه صاحب سرٍّ متميِّز.
لكنَّ التطبيق يعكس المعادلة: فبدل أنْ ينتظر الإنسان ظهور الحجَّة، يبدأ يرى نفسه
(من أهل الظهور)، ويُحوِّل الإيمان من عبوديَّةٍ لله إلى امتيازٍ رمزيٍّ على الناس،
وهذا ما جعل الإمام الصادق (عليه السلام) يقول في تحذيره من الذين يرفعون الشعارات
بغير علمٍ: «إِيَّاكُمْ وَاَلتَّنْوِيهَ، أَمَا وَاَلله لَيَغِيبَنَّ إِمَامُكُمْ
سِنِيناً مِنْ دَهْرِكُمْ، وَلَتُمَحَّصُنَّ حَتَّى يُقَالَ: مَاتَ، قُتِلَ،
هَلَكَ، بِأَيِّ وَادٍ سَلَكَ؟... فَلَا يَنْجُو إِلَّا مَنْ أَخَذَ اَللهُ
مِيثَاقَهُ وَكَتَبَ فِي قَلْبِهِ اَلْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُ بِرُوحٍ مِنْهُ»(١٩).
إنَّ النجاة هنا ليست في تعيين المصداق، بل في صدق الميثاق، أي الثبات على الطاعة
دون افتتانٍ بالرموز المتغيِّرة.
٣ - الهشاشة النفسيَّة بعد
الانكشاف:
الذين يُسقِطون الروايات على أشخاصٍ بعينهم يعيشون بعد انكشاف التطبيق صدمةً
نفسيَّةً عميقةً، تُسمَّى في علم النفس الدِّينيِّ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٩) الكافي (ج ١/ ص ٣٣٦/ باب في الغيبة/ ح ٣).
(انهيار المعنى)، فهم لم يخسروا
شخصاً فقط، بل خسروا الصورة التي آمنوا بها عن الله، كانوا يرون في ذاك الشخص
برهاناً على أنَّ الغيب ما زال حاضراً في حياتهم، فإذا سقط، شعروا أنَّ الله نفسه
انسحب من واقعهم؛ ولذلك نجد أنَّ بعض الذين خُدِعُوا بهذه التطبيقات لا يعودون إلى
الإيمان القديم بسهولة، بل يتحوَّلون إلى نقمةٍ على الدِّين أو إلى لا مبالاةٍ
بانتظار الظهور.
إنَّها خسارةٌ مزدوجةٌ: خسارة الثقة بالرموز، وخسارة الثقة بالسماء، وهذا ما يجعل
العلماء يُشدِّدون على ضرورة التربية الواعية على (التعليق بالله لا بالوسائط)؛
لأنَّ الوسائط زائلة، والله وحده هو الباقي. إنَّ النفس التي تتعلَّق بالإمام بوصفه
وجه الله في الأرض، لا بوصفه شخصيَّةً سياسيَّةً أو نَسَبيَّة، لا تقع في هذه
الصدمة؛ لأنَّها لم تربط انتظارها بصورةٍ متخيِّلةٍ، بل بمبدأٍ روحيٍّ متعالٍ عن
التشخيص.
٤ - الانتظار مدرسة في تهذيب
المعنى:
إنَّ الله جعل الغيبة تربيةً، فهي مدرسةٌ تُمتَحن فيها القلوب بين الاستعجال
والصبر، بين الادِّعاء والتسليم، ومَنْ دَرَسَ هذه المدرسة جيِّداً، فهم أنَّ
الانتظار ليس فراغاً في الزمن، بل ملءٌ له بالعمل، كلُّ مَنْ صبر على الغيب نال
نصيبه من نوره، وكلُّ مَنِ استعجل التطبيق حُجِبَ عن سرِّه.
لقد أراد الله للغيب أنْ يكون ميثاقاً لا معجزةً؛ ولذلك قال أمير
المؤمنين (عليه
السلام): «اِنْتَظَرُوا اَلْفَرَجَ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اَلله، فَإِنَّ
أَحَبَّ اَلْأَعْمَالِ إِلَى اَلله (عزَّ وجلَّ) اِنْتِظَارُ اَلْفَرَجِ»(٢٠)،
فالإمام لا يُنتظَر لأنَّه مجهول، بل لأنَّه ميزان الإيمان في كلِّ زمن، وحين
يُدرِك المؤمن أنَّ تطبيق الروايات على الأشخاص إنَّما يُنقِص من هذا الميزان، يعلم
أنَّ الصبر على الغيب عبادةٌ، وأنَّ حفظ حدود الغيب هو أعظم أشكال الطاعة.
خاتمة الفصل الرابع:
إنَّ تطبيق الروايات على الأشخاص هو مرآةٌ خادعةٌ للوعي، تُظهر له ما يُريد أنْ
يراه لا ما يجب أنْ يعرفه، والغيب، الذي هو ساحةُ الامتحان، لا يُحاصَر في وجهٍ ولا
يُختصَر في اسم، الإمام المهديُّ (عجَّل الله فرجه) ليس غائباً لأنَّه بعيد، بل
لأنَّ الله أراد أنْ يبقى في وجدان المؤمنين صوتاً لا صورةً، مبدأً لا مِلكاً،
حضوراً بالحقِّ لا حضوراً بالجسد.
ومَنْ لم يفهم هذا المعنى سيظلُّ يُكرِّر الخطأ نفسه في كلِّ عصر: يُبدِّل الأسماء،
ويُغيِّر الشخوص، لكنَّه يُعيد إنتاج الوهم ذاته، الوهم بأنَّ الغيب يمكن أنْ
يُحدَّد، وأنَّ الله يمكن أنْ يُلخَّص في وجهٍ واحدٍ من خلقه، أمَّا المؤمن
الحقيقيُّ فهو الذي ينتظر دون أنْ يضع للإمام عنواناً، يُحِبُّ دون أنْ يُطالِب
برؤية، ويعمل في سبيل الله كأنَّ الإمام يراه؛ لأنَّه علم أنَّ الغياب لا يُراد
لحرمانه من اللقاء، بل لتهذيبه قبل اللقاء.
* * *
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٠) الخصال (ص ٦١٦/ حديث أربعمائة).
حين يتحوَّل الخبر إلى نبوءة:
ما أشدُّ عطش الإنسان لأنْ يرى يدَ الله في مجريات التاريخ، فكلَّما توالت عليه
الحروب والمجاعات والفتن، ازدادت حاجتُه لأنْ يجد في الحَدَث صوتاً للغيب، أو نداءً
من السماء يقول له: (اصبر، فقد اقترب الوعد)، هذه الحاجة ليست ضعفاً في الإيمان، بل
طبيعةٌ بشريَّةٌ تبحث عن نظامٍ في الفوضى، وعن معنى في العاصفة.
لكنَّ الخطر يبدأ حين يتحوَّل هذا التوق إلى عادةٍ تأويليَّةٍ جماعيَّةٍ، تُفسِّر
كلَّ اضطرابٍ سياسيٍّ أو زلزالٍ أو وباءٍ على أنَّه بشارةٌ أو إنذارٌ من علِّيِّين،
وتستعير للروايات روحاً صحفيَّةً تُحوِّل الغيب إلى عناوين، هنا تبدأ الفتنة
الكبرى: حين يُصبِح الخبر نبوءة، ويُصبِح التحليل السياسيُّ تفسيراً للروايات،
ويُصبِح الإعلام محراباً للتوقيت والتطبيق معاً.
من الغيب إلى العناوين:
لم يعد الانتظار في كثيرٍ من الأذهان عبادةً قلبيَّةً صامتةً كما كان، بل تحوَّل
إلى متابعةٍ يوميَّةٍ لما يجري في العالم، فكلُّ قتالٍ في الشام يُذكِّرهم بحديث:
(الفتنة بالشام)، وكلُّ اضطرابٍ في الحجاز يُثير فيهم ظلال روايات: (اختلاف بني
فلان)، وكلُّ رايةٍ تُرفَع في الشرق تُذكِّرهم بـ
(الرايات السود من خراسان)، وهكذا
يُصبِح العالم شاشةً كبرى يقرأون فيها إشارات الظهور، حتَّى لم يعد الحَدَث يُدرَك
في سياقه الواقعيِّ، بل يُعاد تشكيله داخل النصِّ الروائيِّ.
إنَّ هذه الرغبة العميقة في (قراءة الغيب في الحَدَث) تُشبِه من حيث البنية نزعةَ
الإنسان القديم إلى تفسير الطبيعة بالأُسطورة، فحين كان يرى البرق والرعد، كان
يقول: (إنَّها غضبة الآلهة)، واليوم حين يرى انهيار الأنظمة أو تفكُّك الدول، يقول:
(إنَّها بشارة الظهور)، في الحالتين، يسعى العقل إلى استعادة السيطرة على الخوف من
المجهول، بتحويل الحَدَث إلى رسالةٍ مفهومةٍ ومُطمئنةٍ.
لكنَّ الإيمان لا يقوم على تحويل الغيب إلى خبر، بل على الارتقاء بالخبر إلى الغيب؛
أي أنْ يرى المؤمن في الحَدَث امتحاناً لصبره، لا دليلاً على موعد الخلاص، وما
الفرق بين النبيِّ والمفسِّر إلَّا أنَّ الأوَّل يسمع من الله، والثاني يُسقِط عليه
ما في نفسه.
الإغراء السياسيُّ للعلامة:
منذ اللحظة التي دخل فيها الدِّين إلى فضاء الإعلام، أصبح من السهل أنْ تُساق
الروايات في خدمة الخبر، فكلُّ جهةٍ سياسيَّةٍ تُحاول أنْ تجد لنفسها موقعاً في
الخريطة المهدويَّة؛ لتُعطي معاركها طابعاً مقدَّساً، أو لتُبرِّر تحالفاتها، أو
لتُقنِّن سلطتها بوصفها جزءاً من (التمهيد الإلهيِّ)، وهكذا تنشأ سياسةُ العلامة:
كلُّ فريقٍ يُمسِك بجملةٍ من روايةٍ، ليقول: (ها نحن في زمن الظهور).
هذا الاستخدام المصلحيُّ للغيب أخطر من التوقيت نفسه؛ لأنَّه يُلبِس الفعل
السياسيَّ ثوبَ القدر، فحين يُعلِن قائدٌ أو حركةٌ أو دولةٌ أنَّ حربها هي من
(علامات الظهور)، فهي تُخرِج الحَدَث من دائرة النقد والمساءلة؛ لأنَّ مَنْ
يُعارضها حينئذٍ لا يُعارض سياسةً، بل يُعارض الوعد الإلهيَّ، وبهذا يُفرَغ العقل
من قدرته على التفكيك، ويتحوَّل الإيمان إلى سلاحٍ إعلاميٍّ لتكميم الوعي.
والنتيجة أنَّ المؤمنين، بدلاً من أنْ يقرؤوا العالم بعينٍ قرآنيَّةٍ ترى في كلِّ
حادثةٍ سُنَّةً من سُنَن الله، صاروا يقرؤونه بعينٍ متوتِّرةٍ تُفتِّش عن (إشارةٍ
خفيَّةٍ)، تُؤكِّد لهم أنَّهم على الطريق الصحيح، وهكذا يُختزَل الوعد الإلهيُّ في
لعبة المصادفات الجغرافيَّة والسياسيَّة، وكأنَّ الله لا يُدير التاريخ إلَّا من
خلال نشرات الأخبار.
الإعلام كمنبرٍ جديدٍ للتطبيق:
لقد حلَّ (الإعلام) في الوعي الحديث محلَّ (المنبر القديم)، وأصبح الخطباء الجُدُد
هم مقدِّمو البرامج والمحلِّلون السياسيُّون، الذين يقرؤون الأخبار بلغة الروايات.
فكلُّ تصريحٍ أو حربٍ أو معاهدةٍ يُعاد تأويلها في ضوء نصوصٍ روائيَّةٍ تُنزَع من
سياقها، وتُحمَّل بمعانٍ غيبيَّةٍ لا تحتملها، وكلُّ موجةٍ جديدةٍ من الاضطرابات
تُنتِج معها دورةً جديدةً من التطبيقات، وهكذا يعيش الناس على اقتصادٍ من الترقُّب،
تُدار به العواطف كما تُدار الأسواق.
لكنَّ الروايات لم تُنزَل لتتحوَّل إلى عناوينٍ إخباريَّةٍ، بل لتُربِّي
الوعي على
الثبات وقت الفتنة، فالحديث عن (الفتن) لم يُرَد به أنْ يُستخرَج منه جدولٌ زمنيٌّ
للأحداث، بل أنْ يُفهَم منه أنَّ طبيعة الدنيا هي الاضطراب، وأنَّ المؤمن لا يُقاس
بقوَّة توقُّعه، بل بقدرة صموده، فمَنْ قرأ الرواية ليعرف التاريخ، أضاعها، ومَنْ
قرأها ليعرف نفسه، اهتدى بها.
من اليقين إلى التسلية الغيبيَّة:
حين تتحوَّل علامات الظهور إلى (ترفيهٍ روحيٍّ)، يُصبِح الانتظار تجربةً
استهلاكيَّةً لا تربويَّةً، فبدل أنْ يُصلِح الإنسان نفسه استعداداً للظهور، يبدأ
يجمع الأخبار ويُخزِّنها كما تُخزَّن الإشاعات، وهذا ما سمَّاه بعض العلماء بـ
(الفراغ الغيبيِّ)، أي أنْ يملأ المؤمن فراغ إيمانه بالمشاعر والقَصَص، لا بالعمل.
فالغيب في هذه الحالة لم يَعُد مجالاً للتهذيب، بل مساحةً للهروب من الواقع،
والنتيجة أنَّ الإيمان يُصاب بالوهن؛ لأنَّه حين يُغذَّى بالدهشة لا بالمعرفة، يذبل
سريعاً عند أوَّل انكشاف، فالحَدَث إذا لم يتحقَّق كما ظنُّوا، يشعرون بالخذلان،
وكأنَّ الله هو الذي خذلهم، لا سوء فهمهم، وهكذا تنشأ الدورات المتكرِّرة من
الحماسة والانهيار، تبدأ بموجة (العلامات اقتربت)، وتنتهي بخيبة (العلامات خذلتنا)،
وفي كلِّ مرَّةٍ، يزداد القلب تعباً من الانتظار، والعقل كسلاً عن التدبُّر.
* * *
من التحليل إلى التأويل الموجَّه - كيف تُختزَل الفتنة في الخبر؟
ليس كلُّ مَنْ يقرأ الحَدَث يبتغي الفهم، كما أنَّ ليس كلُّ مَنْ يُفسِّر الرواية
يبحث عن الحقِّ، فما أكثر الذين يُلبِسون التأويلَ ثوبَ التحليل ليمنحوا كلامهم
مظهرَ العقل، وهم في الحقيقة يُعيدون إنتاج الغيب على مقاس موقفٍ مسبقٍ أو رغبةٍ
دفينةٍ، إنَّ الفتنة في هذا المقام لا تبدأ حين يُؤوَّل النصُّ، بل حين يُؤوَّل
الحَدَث بالنصِّ، أي حين يُساق الواقع إلى الرواية ليُثبِتها لا ليتعلَّم منها، هنا
يختلط العلم بالميل، ويتحوَّل التأويل إلى توجيهٍ نفسيٍّ مموَّهٍ، يرسم صورة العالم
بما يوافق هوى الجماعة، ويُسكِت كلَّ مَنْ يختلف معها باسم القداسة.
التأويل كوسيلةٍ للسيطرة:
منذ أنْ فقدت الأُمَّة يقينها بوحدة قراءتها للنصِّ، صار كلُّ تيَّارٍ يُعيد تفسير
الروايات المهدويَّة وفق زاوية نظره، لكنَّ الجديد في عصر الإعلام أنَّ هذا التأويل
لم يعد مسألة فكريَّة، بل أداةُ هيمنةٍ ناعمةٍ تُدار بها العقول، فكلُّ قناةٍ أو
صفحةٍ أو خطيبٍ أو محلِّلٍ
يُلقي على الحَدَث معنًى غيبيًّا، ليُحوِّله من واقعةٍ
نسبيَّةٍ إلى برهانٍ مطلقٍ.
وحين يُقدَّم الحَدَث في صورة (العلامة الإلهيَّة)، يُصبِح النقاش حوله محرَّماً،
لأنَّ الاعتراض عليه يُعَدُّ إنكاراً للوعد نفسه، وهكذا تُختزَل السياسة في الغيب،
ويُختزَل الغيب في الدعاية، ويُحبَس الفكر بينهما، هذه الآليَّة، في عمقها
النفسيِّ، تُشبه ما يُسمِّيه علم النفس الجمعيُّ بـ (الاستبداد الرمزيِّ)، أي فرض
المعنى باسم القداسة لا باسم الحقيقة.
فمَنْ يملك الحقَّ في تأويل الرواية يملك، تبعاً لذلك، الحقَّ في تفسير التاريخ،
ومَنْ يملك تفسير التاريخ يملك القدرة على توجيه الضمير، وهنا تلتقي المهدويَّة
السياسيَّة بالدعاية الحديثة على أرضٍ واحدة: أرض صناعة المعنى وإعادة توزيعه.
الخبر بوصفه معبوداً جديداً:
في عصور ما قبل الغيبة، كانت الرواية تُروى عن الثقات وتُعرَض على الكتاب والعقل،
أمَّا في عصر المعلومة الفوريَّة، فقد صار (الخبر) هو الحاكم، والمعلومة هي
المعبود، كلُّ حَدَثٍ يُصبِح (قَدراً مؤقَّتاً)، وكلُّ إشاعةٍ تتحوَّل إلى (علامةٍ
محتملةٍ)، وبين الخبر والرواية، تضيع الحقيقة.
لقد حوَّل الإعلام الدِّينيُّ المعاصر الفتنة إلى مهرجانٍ تأويليٍّ لا ينتهي؛ فكلُّ
حَدَثٍ عالميٍّ جديد يُستنفَر له الوعي الجمعيُّ ليُدرَج في
خرائط الظهور، وكلُّ
تغيُّرٍ في موازين القوى يُقدَّم كجزءٍ من السيناريو المهدويِّ الموعود؛ ولأنَّ
الأخبار تتغيَّر كلَّ ساعة، فقد أصبح الغيب نفسه في وعي الناس يتبدَّل كلَّ ساعةٍ
أيضاً، فتختلط النبوءة بالتحليل، ويتحوَّل الغيب من أُفُقٍ للثبات إلى ملعبٍ
للترجيح.
الإعلام واللاَّهوت الجديد:
الإعلام الدِّينيُّ اليوم، كما يصفه بعض المفكِّرين، لا يكتفي بدور الناقل، بل يصنع
لاهوتاً جديداً قوامه الجمع بين الرواية والعاطفة والصورة، إنَّه لا يشرح الغيب، بل
يُخرجه في بثٍّ مباشرٍ، وفي هذا اللَّاهوت الجديد تُختصَر العقيدة في لحظةٍ
بصريَّةٍ مثيرةٍ، في صورةٍ لطفلٍ يصرخ تحت الأنقاض، أو لرايةٍ تُرفَع في صحراء، أو
لعاصفةٍ تُقال عنها: (بشارة السماء).
وحينها، يتماهى المتلقِّي مع الصورة أكثر ممَّا يتماهى مع الفكرة، فيتكوَّن لديه
يقينٌ سريعٌ هشٌّ لا يُقاوم الاختبار، إنَّ التأويل الموجَّه هنا ليس مجرَّد
انحرافٍ في فهم الروايات، بل مشروعُ صناعةِ وعيٍ جمعيٍّ مشدودٍ بالعاطفة، يُدار به
الانفعال الجماعيَّ في اتِّجاهٍ محدَّدٍ، فبدل أنْ يُربِّي الإعلامُ المؤمنَ على
التعقُّل، يُدرِّبه على ردِّ الفعل، وبدل أنْ يُنمِّي وعي الانتظار، يُغذِّي لذَّة
المفاجأة، وهكذا يتحوَّل الانتظار من عملٍ روحيٍّ طويلٍ إلى متابعةٍ لاهثةٍ
للأخبار، حتَّى يُصبِح الإيمان نفسه مقيَّداً بسرعة الخبر.
أثر التأويل الموجَّه في الوعي
السياسيِّ:
حين تُختزَل الروايات في الأحداث، يُصبِح الحَدَث هو المفسِّر الوحيد للغيب، فتفقد
الأُمَّة ميزان التمييز بين الفتنة والفرج، فكلُّ اضطرابٍ يُرى أنَّه مقدَّمةُ
الظهور، وكلُّ حربٍ يُقال: إنَّها (حرب ما قبل الإمام)، وكلُّ نكسةٍ يُراد بها
(تمهيد الانتصار الإلهيِّ)، وبذلك يُلغى مبدأ السُّنَن الإلهيَّة في التاريخ، الذي
أكَّد عليه القرآن حين قال: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا
بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: ١١)، فالله لا
يُغيِّر التاريخ بالمعارك وحدها، بل بتغيُّر القلوب والعقول.
لكنَّ التأويل الموجَّه يُعفِي الإنسان من هذا الجهد الداخليِّ، فيجعل خلاصه
مربوطاً بحروبٍ لا يُشارك في أخلاقها، وانتصاراتٍ لا يُساهم في صناعتها، ويُصبِح
الظهور في وعيه حَدَثاً خارجيًّا يُعفِيه من التغيير الداخليِّ، فما حاجته إذن إلى
تزكية النفس أو إقامة العدل في حياته، إذا كان يرى في كلِّ حربٍ بشرى بالفرج؟
إنَّ هذا الفهم هو الوجه الجديد للكسل الروحيِّ، وهو الذي حذَّر منه أمير المؤمنين
(عليه السلام) حين قال: «مَنْ نَامَ لَمْ يُنَمْ عَنْهُ»(٢١)، أي إنَّ الغفلة لا
تُوقِف التاريخ، بل تُقصِي الغافل عن بركاته.
آليَّة صناعة التأويل الموجَّه:
يعمل التأويل الموجَّه على ثلاث مراحلٍ خفيَّة:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢١) نهج البلاغة (ص ٤٥٢/ ح ٦٢).
١ - الاختيار الانتقائيُّ للروايات التي توافق الموقف السياسيَّ أو العقائديَّ.
٢ - توظيف اللغة الغيبيَّة لإضفاء الشرعيَّة على الموقف.
٣ - إعادة إنتاج القلق الجمعيِّ عبر بثِّ توقُّعٍ دائمٍ لحَدَثٍ مهدويٍّ قريبٍ.
وهكذا تُدار الجماعة على إيقاع الخوف والرجاء، بين خبرٍ يُثير القلق وآخر يُطمئن،
حتَّى تُصبِح في حالةِ انتظارٍ دائمٍ تُشَلُّ فيها إرادتها، إنَّه نمطٌ دينيٌّ من
أنظمة (التحكُّم بالوعي)، لا يختلف في جوهره عن تقنيَّات الدعاية الحديثة التي
تُخاطب العواطف بدل العقول.
بين الغيب والسياسة:
من هنا، يجب أنْ نُفرِّق بين الإيمان بالغيب واستغلال الغيب، فالأوَّل يُربِّي على
التوكُّل، والثاني يُدرِّب على الخضوع، الأوَّل يُنضِج الضمير، والثاني يُنهي
التفكير، والذي يقرأ التاريخ بعين الغيب دون أنْ يقرأ الغيب بعين التاريخ، لن يرى
إلَّا نصف الصورة، وسيتعامل مع الأحداث بوصفها نبوءاتٍ جاهزةٍ، لا بوصفها امتحاناتٍ
مستمرَّةٍ للوعي.
وهكذا يُغلَق باب الاجتهاد، وتُفتَح أبواب التلقين، ويُصبِح الغيب حليفاً للسلطة لا
امتحاناً لها، وهذا هو الانحراف الأخطر: أنْ يتحوَّل الغيب من طاقةٍ على الإصلاح
إلى خطابٍ يُشرعن الانقسام، ومن نورٍ على الطريق إلى رايةٍ على الجدار.
* * *
نقد فلسفة التفسير الحَدَثيِّ من الغيب إلى السُّنَّة، ومن المصادفة إلى العبرة
كلُّ فتنةٍ تُشعِلها المصادفة حين تُفسَّر على أنَّها بشارة، وكلُّ بشارةٍ تفقد
معناها حين تُحوَّل إلى جدولٍ زمنيٍّ لما سيأتي، لقد حوَّل الإنسان الحَدَثَ إلى
مرآةٍ لهواه، والغيبَ إلى خادمٍ لانتظاره، حتَّى لم يَعُد يرى في التاريخ سوى ظلِّ
رغبته، لا وجهَ الله فيه، إنَّ التفسير الحَدَثيَّ للغيب لا يقوم على الجهل بالنصوص
فقط، بل على سوء فهم السُّنَن الإلهيَّة.
فالقرآن الكريم حين تحدَّث عن (الآيات) لم يقصد بها الحوادث الخارقة، بل القوانين
الدائمة التي تربط بين الإيمان والعمل، بين الفساد والعقوبة، بين الصبر والنصر. قال
تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي
أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ (فُصِّلت: ٥٣)،
فلم يقل: في الأخبار، بل في الآفاق والأنفس، أي في مجرى السُّنَن والوعي لا في
نشرات الأحداث، الحَدَث ليس آيةً بذاته، الآية ليست ما يحدث، بل ما يُفهَم من
حدوثه.
أمَّا التفسير الحَدَثيُّ، فيُحوِّل كلَّ واقعةٍ إلى (إشارةٍ) مُعَدَّةٍ سلفاً، لا
تحتاج إلى وعيٍ ولا إلى تدبُّر، وكأنَّ الله يتكلَّم بلغة المصادفات لا بلغة
القوانين، وهذا الانزلاق من السُّنَّة إلى الصدفة هو الذي أنشأ الخلط بين
التاريخ
الإلهيِّ والتاريخ الإعلاميِّ، ففي التاريخ الإلهيِّ، العدل هو المحور، والزمان
خادمٌ له، أمَّا في التاريخ الإعلاميِّ، فالزمان هو المحور، والعدل مؤجَّلٌ ريثما
تتَّضح العلامات، وهكذا يتحوَّل الإيمان بالسُّنَن إلى فضولٍ معرفيٍّ حول اللحظة،
ويتحوَّل الانتظار من مدرسةٍ للأخلاق إلى مختبرٍ للتنبُّؤ.
الخلل في منطق العلَّة والغاية:
حين يُفسَّر الغيب بالحَدَث، تُقلَب العلاقة بين العلَّة والغاية، فبدل أنْ يُنظَر
إلى الفتنة على أنَّها نتيجةٌ للظلم، تُقدَّم على أنَّها تمهيدٌ للفرج، وبدل أنْ
تُقرَأ الكوارث بوصفها تذكيراً بالرجوع إلى الله، تُقدَّم على أنَّها دليلٌ على قرب
الخلاص، وهذا الانحراف يجعل الألم نفسه مادَّةَ تسليةٍ روحانيَّةٍ، ويُحوِّل
المأساة إلى وعدٍ غير مستحقٍّ.
إنَّ الله لم يجعل الفتن علاماتٍ على الزمان، بل اختباراتٍ للوجدان، قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ
بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ
وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة: ١٥٥)، فقد جعل البشارة في
الصبر، لا في الفتنة نفسها؛ لأنَّ الامتحان لا يكتسب معنًى إلَّا بقدر ما يكشف عن
الإيمان.
لكنَّ التفسير الحَدَثيَّ يُلغي البُعد الأخلاقيَّ للامتحان، فيُحوِّل الابتلاء إلى
إشارةٍ لاختصار الطريق، لا إلى وسيلةٍ للتزكية، وهكذا يفقد الإنسان علاقته
التربويَّة بالغيب، لأنَّه لا يرى فيه دعوةً إلى الإصلاح، بل إعلاناً عن النهاية.
الغيب في القرآن.. حركةٌ لا
حادثةٌ:
الغيب في القرآن ليس حَدَثاً مستقبليًّا يُنتظَر تحقُّقه فحسب، بل حركةُ الإيمان في
الحاضر، إنَّه المسافة بين ما نعلم وما نُسلِّم به، بين الوعد الذي نؤمن به والواقع
الذي نعمل على تهذيبه؛ ولذلك كان الإيمان بالغيب أوَّل صفةٍ للمؤمنين في قوله
تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ
الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (البقرة: ٣)، أي إنَّ الغيب
ليس انتظاراً جامداً، بل عبادةٌ متحرِّكةٌ تُثمِر عملاً وعدلاً وإنفاقاً، فمَنْ آمن
بالغيب ولم يعمل به، لم يؤمن به بعدُ.
وهنا يظهر الفارق الجوهريُّ بين الإيمان المهدويِّ الصحيح وبين التفسير الحَدَثيِّ
المنحرف: فالأوَّل يجعل الغيب أُفُقاً أخلاقيًّا يُوجِّه الحاضر، والثاني يجعل
الغيب حَدَثاً سياسيًّا يُعفِي الحاضر من مسؤوليَّته.
من المصادفة إلى العبرة:
إنَّ أخطر ما في القراءة الحَدَثيَّة أنَّها تُربِّي على المصادفة لا على العبرة،
فمَنْ يعتقد أنَّ ظهور الإمام يتعلَّق بتتابع الحروب أو سقوط الحكومات، يفقد
الإحساس بسُنَن الله الثابتة في الأخلاق والعدل، لكنَّ العبرة، كما في اللغة، تعني
(العبور)، أي الانتقال من ظاهر الحَدَث إلى باطنه، ومن الملاحظة إلى الوعي.
فإذا لم يعبر الإنسان من الخبر إلى الحكمة، فقد بقي أسير السطح وإنْ حمل في يده
الروايات؛ ولذلك قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «اَلسَّعِيدُ
مَنْ وُعِظَ
بِغَيْرِهِ»(٢٢)، أي إنَّ العبرة ليست تذكُّراً، بل إدراكاً للسُّنَّة التي تعمل في
غيرك كي تتجنَّبها في نفسك، أمَّا مَنْ يقرأ الحَدَث فقط بحثاً عن العلامة، فلن
يعتبر، لأنَّه لا يرى في الحَدَث إلَّا ما يُؤكِّد رغبته.
استعادة المعنى المهدويِّ الصحيح:
ليست المهدويَّة وعداً بحَدَثٍ غيبيٍّ وحسب، بل مشروعٌ تربويٌّ لإعداد الإنسان
للعدل، فإذا صارت الفتن والأخبار هي مركز التفكير، تراجع الإيمان من مستوى التغيير
إلى مستوى التفرُّج، وهذا ما يُفسِّر انكماش الوعي العمليِّ عند بعض المنتظِرين،
لأنَّهم انشغلوا برصد العلامات أكثر من رعاية القِيَم.
فقد انتقلت المهدويَّة من مجال الإصلاح إلى مجال الرصد، ومن مدرسة العدل إلى صناعة
التوقُّع، إنَّ العودة إلى المعنى القرآنيِّ للغيب تعني أنْ نُعيد ترتيب العلاقة
بين الإنسان والحَدَث: فالحَدَث وسيلةٌ للتذكير، لا دليلٌ على النهاية، والرواية
سبيلٌ للهداية، لا خريطةٌ للفضول، وإذا كان الله قد أخفى ساعة الظهور، فليس لأنَّه
يُريد أنْ يُعذِّبنا بالانتظار، بل لأنَّ الغيب لا يُربِّي إلَّا بالخفاء، ولا
يُثمِر إلَّا حين يُؤمَن به من غير أنْ يُرى.
خاتمة الفصل الخامس:
وهكذا، فإنَّ التطبيق على الأحداث والحروب هو الوجه الجديد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٢) نهج البلاغة (ص ١١٧/ الخطبة ٨٦).
للتوقيت نفسه؛ فالأوَّل
يُحدِّد الزمن، والثاني يُحدِّد المعنى، وكلاهما يُريد أنْ يُمسِك بيد الله ليقودها
في التاريخ، لكنَّ الله سبحانه لا يُدار بالتأويل، بل يُعبَد بالصبر، والإيمان ليس
قدرةً على قراءة العلامات، بل استعدادٌ دائمٌ للعمل حتَّى لو لم تظهر علامةٌ
واحدةٌ.
فالمؤمن لا يسأل: هل هذه الحرب من علامات الظهور؟ بل يسأل: هل هذه الحرب من علامات
الظلم الذي يُريد الله منِّي أنْ أُقاومه؟ والموقن لا يقول: اقترب الزمان، بل يقول:
اقترب الضمير من الله، وهكذا نعود من الغيب إلى السُّنَّة، ومن المصادفة إلى
العبرة، ومن انتظار الحَدَث إلى صناعة المعنى.
* * *
من الحنين إلى المكان إلى عبادة
الجغرافيا:
منذ أنْ طُرِدَ الإنسان من جنَّته الأُولى، وهو يعيشُ على حنينٍ غامضٍ إلى أرضٍ
أُخرى تردُّ إليه معنى الطمأنينة الأُولى، ذلك الحنين المكنون في الذاكرة البشريَّة
لم يكن حنيناً إلى بقعةٍ محدَّدةٍ من التراب، بل إلى حالةٍ من الانسجام بين الروح
والمكان، إلى لحظةٍ يكون فيها العدل امتداداً للأرض كما كانت الجنَّة امتداداً
للسماء.
ومن هنا نشأ في وجدان الإنسان مبدأ (الأرض الموعودة)، أي الأرض التي سيُعاد فيها
ترتيب العلاقة بين الله والعالم، لكنَّ هذا التوق الروحيَّ، حين لم يُهذَّب بالعقل
والسُّنَن، تحوَّل عبر التاريخ إلى نزعةٍ مقدَّسةٍ نحو الجغرافيا، تُقاس فيها
القداسة بالموقع لا بالفعل، ويُختزَل فيها الإيمان بالحقِّ في امتلاك الأرض لا في
عمارتها.
وهكذا أخذت فكرة (الأرض الموعودة) تتسرَّب إلى كلِّ ديانةٍ وكلِّ طائفةٍ في ثوبٍ
جديدٍ من الحنين الممزوج بالخوف؛ حنينٍ إلى الجذور، وخوفٍ من الضياع في عالمٍ لا
يَعُد بشيءٍ ثابتٍ بعد الآن.
من أرض الانتظار إلى أرض
الامتياز:
شيئاً فشيئاً، تتحوَّل (أرض الانتظار) إلى (أرض الامتياز)، فكلُّ
جماعةٍ تبدأ
تُفسِّر الروايات لتُثبِت أنَّ بلادها هي الأرض التي سيظهر فيها الإمام، وأنَّ
لغتها هي لغة المخلِّص، وأنَّ موقعها الجغرافيَّ هو موضع النصرة، ويُعاد رسم
الخرائط الدِّينيَّة بحدودٍ غيبيَّةٍ تُعطي كلَّ منطقةٍ مكانةً في الظهور.
فكما يتنازع الناس على الزعامة، يتنازعون على الجغرافيا المقدَّسة، لكنَّ القداسة
حين تُنزَع من الفعل وتُعلَّق بالمكان، تتحوَّل إلى وهمٍ مطمئنٍّ؛ لأنَّها تُعطي
الإنسان شعوراً زائفاً بالفضل دون أنْ يُقدِّم عملاً، فمجرَّد العيش في الأرض
الموعودة يُصبِح، في المخيال الجمعيِّ، بديلاً عن الجهاد في سبيل الله.
وبذلك تتحوَّل المهدويَّة من مشروعٍ للإصلاح العالميِّ إلى هويَّةٍ إقليميَّةٍ
مغلقةٍ، لقد أراد الله أنْ تكون الأرض ميراثاً للعاملين، لا امتيازاً للمكان، فقال:
﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ
أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ (الأنبياء: ١٠٥)، فجعل
الوراثة للأخلاق لا للموقع، وللصلاح لا للانتماء الجغرافيِّ، لكنَّ الإنسان، إذ لم
يحتمل الانتظار على الصلاح، اختصر الطريق بادِّعاء القرب من الأرض الموعودة.
الحنين كآليَّة دفاعٍ من الغياب:
في الجذر النفسيِّ لفكرة الأرض الموعودة يكمن الحنين لا كمجرَّد شعورٍ بالعاطفة، بل
كآليَّةٍ نفسيَّةٍ للتوازن في مواجهة الغياب، فالإنسان حين يشعر بالضياع في الزمان،
يبحث عن ثباتٍ في المكان، وحين
تضطرب العقائد أو تتكاثر الانقسامات، يُعيد بناء
ذاته في صورةٍ جغرافيَّةٍ متخيَّلةٍ يقول فيها: (ها هنا الحقُّ)، وهذا التثبيت
المكانيُّ للحقِّ يريحه مؤقَّتاً، لأنَّه يمنحه يقيناً بصريًّا يُعفِيه من الشكِّ
الداخليِّ.
لكنَّ الحنين، إذا لم يُهذَّب، يُحوِّل الإيمان إلى جغرافيا مغلقة، فتُصبِح القداسة
وظيفةً للأرض لا انعكاساً للنفس، ويتحوَّل الولاء إلى خارطةٍ سياسيَّةٍ أكثر منه
التزاماً أخلاقيًّا، وهذا هو المأزق العميق الذي تقع فيه الحركات التي تُطبِّق
الروايات على البلدان، إذ تبدأ من حُبِّ الإمام وتنتهي إلى تقديس التربة، وتبدأ من
الإيمان بالعالم الموعود وتنتهي إلى الانغلاق في حدود الوطن.
من حُبِّ كربلاء إلى هوس
الطوبوغرافيا:
لقد كانت كربلاء في الوجدان الشيعيِّ مثالاً للأرض التي سالت عليها دماء الحقِّ،
ومنها استُمِدَّ مفهوم (الأرض التي تُطهِّرها التضحية)، لكنَّ القداسة في أصلها لم
تكن للتراب، بل للفعل الذي جرى عليه، فالأرض شُرِّفت بدم الحسين (عليه السلام)، لا
بنفسها؛ ولذلك فإنَّ القداسة الحقيقيَّة لكربلاء ليست في موقعها، بل في رسالتها،
غير أنَّ الوعي الذي لم يُربَّ على التفريق بين (المكان) و(الحَدَث)، بدأ يُحوِّل
كلَّ بقعةٍ ذُكِرَت في الروايات إلى رمزٍ جغرافيٍّ مستقلٍّ للغيب.
فإذا وردت روايةٌ عن الكوفة، صارت الكوفة معياراً، وإذا ورد ذكر الحجاز، صارت كلُّ
واقعةٍ فيه علامة، وهكذا تُختزَل المهدويَّة في الجغرافيا، ويتحوَّل الانتظار إلى
بحثٍ عن الإحداثيَّات، في أعماق هذا
الوعي تكمن رغبةٌ مشروعةٌ أفسدها التوجُّه
الخاطئ: الرغبة في أنْ يكون لله مكانٌ ظاهرٌ على الأرض، أنْ تُرى العدالة في بقعةٍ
محدَّدةٍ تُطمئنُّ القلب.
فالذين يبحثون عن (أرض الظهور) غاب عنهم أنَّ كلَّ أرضٍ يُقام فيها العدل هي أرضُ
الظهور، وأنَّ الحدود التي تُرسَم على الخرائط لا تُحدِّد نصيب الإنسان من النور،
بل تحدُّ أحياناً من بصره عن أنْ يرى أنَّ الله قريبٌ حيث كان.
* * *
من بلادٍ صالحةٍ إلى بلادٍ مختارةٍ - التقديس السياسيُّ للأرض بين النصِّ والتأويل
حين يتقدَّس المكان في الوجدان الجمعيِّ، يُصبِح من السهل أنْ يُستغَلَّ باسم
السماء، فما إنْ يترسَّخ في العقل الإيمانيِّ أنَّ الأرض يمكن أنْ تكون (محوراً
للغيب)، حتَّى تبدأ القوى الاجتماعيَّة والسياسيَّة بتأويل النصوص لصالح
جغرافيَّتها؛ لتُحوِّل القداسة من معنًى أخلاقيٍّ إلى رأسمالٍ رمزيٍّ تُتداول به
السلطة.
هنا تتحوَّل الرواية إلى وثيقةٍ ملكيَّةٍ باطنيَّةٍ للأرض، ويُصبِح لكلِّ بلدٍ
تفسيرٌ خاصٌّ للروايات التي تُشير إلى (أرض الظهور) أو (بلاد التمهيد)، وكأنَّ
الإمام المهديَّ (عجَّل الله فرجه)، وهو الإمام العالميُّ، لا بدَّ أنْ يُولَد
ويظهر وينتصر على مقاس الحدود الحديثة.
القداسة كأداةٍ للتملُّك:
إنَّ أخطر ما في هذه الظاهرة ليس الإيمان بقداسة المكان، بل تحويل القداسة إلى
ملكيَّةٍ سياسيَّةٍ، فحين يُقال: إنَّ أرضاً ما (هي أرض الظهور)، تُصبِح هذه الجملة
مشروعاً ضمنيًّا لاحتكار التمثيل الدِّينيِّ والسياسيِّ؛ لأنَّها تمنح تلك
الجغرافيا صفة الوكالة عن الغيب، وهكذا يبدأ الخطاب
الدِّينيُّ يُسوِّغ سلطةً
أرضيَّةً ببركةٍ سماويَّةٍ متخيَّلةٍ، فينقلب النصُّ من وعدٍ كونيٍّ إلى بيانٍ
محليٍّ يُوزِّع الامتيازات على مقاييس الولاء والانتماء.
لقد شهد التاريخ الإسلاميُّ - لاسيَّما في القرون المتأخِّرة - ميلاً متزايداً لدى
بعض الحركات لإعادة رسم خريطة العالم على ضوء الروايات المهدويَّة، بحيث يُصبِح
الشرق مهدَ النور والغرب دارَ الظلمات، أو يُصبِح الحجاز آخر مواطن الامتحان، أو
تُختصَر (أرض العدل) في إقليمٍ بعينه يُقال: إنَّه سيحكم العالم باسم الإمام، لكنَّ
النصوص حين تُتأمَّل بروح القرآن لا تشير إلى مكانٍ معيَّنٍ كأرضٍ مخلِّصة، بل
تُركِّز على صفاتٍ أخلاقيَّةٍ لأهلها: ﴿تِلْكَ الدَّارُ
الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرضِ وَلَا
فَسَاداً﴾ (القَصَص: ٨٣)، فالأرض لا تتشرَّف بترابها، بل بتواضع ساكنيها.
من النصِّ إلى الخريطة:
حين تُفسَّر الروايات بمعزلٍ عن مقاصدها الأخلاقيَّة، تُصبِح خرائط جغرافيَّةً
متخيَّلةً تُرسَم فيها خطوط الدول على أساس علامات الظهور، فيُقال: إنَّ هذه
المدينة هي الكوفة الموعودة، وتلك العاصمة هي عاصمة العدل، وهذا الإقليم هو ميدان
الرايات السود، وتلك الصحراء هي موضع الخسف.
وهكذا يُصبِح التديُّن نوعاً من الجغرافيا السياسيَّة التي تُحدِّد الولاء بحدودٍ
ترابيَّةٍ، ويُختزَل الانتظار في الدفاع عن وطنٍ لا عن مبدأ، وعن تربةٍ لا عن
عدالةٍ، هذا النمط من الوعي ليس بريئاً، بل هو نتاجُ
خوفٍ جماعيٍّ من الضياع،
وحاجةٌ إلى أنْ يكون لله عنوانٌ جغرافيٌّ يُشعِر الناس بالأمان بعد طول الاضطراب.
لكنَّه أيضاً أداةٌ في يد الأنظمة التي تُتقِن تسويق نفسها كحاميةٍ لـ (أرض
التمهيد) أو (أرض الأنصار)، فكلُّ سلطةٍ تُريد أنْ تُقدَّم كجسرٍ بين الأرض والسماء
تُعيد إنتاج هذه الروايات لتُثبِّت شرعيَّتها، وهكذا يُصبِح (التطبيق الجغرافيُّ)
منهجاً في التلاعب العقائديِّ أكثر منه إيماناً صادقاً بالوعد الإلهيِّ.
الاصطفاء الجغرافيُّ.. بين
اليهوديَّة والمهدويَّة:
ليست هذه النزعة حكراً على الفكر الشيعيِّ أو الإسلاميِّ؛ بل هي نزعةٌ بشريَّةٌ
متكرِّرة تظهر كلَّما امتزج الدِّين بالهويَّة السياسيَّة، فاليهود في توراتهم
تحدَّثوا عن (أرض الميعاد) التي وعد الله بها بني إسرائيل، لكنَّهم حوَّلوا الوعد
الأخلاقيَّ إلى وعدٍ ترابيٍّ بالامتياز، فاستُبدِلَ (شعب الله العامل بالوصايا) بـ
(شعب الله المختار بالنَّسَب)، وفي الانعكاس الشيعيِّ لبعض هذه النزعات، يمكن أنْ
نرصد ما يُشبِهها في خطاب (البلاد المختارة)، حيث تُعاد صياغة الروايات لتُعطي
الانتماء المذهبيَّ أو الجغرافيَّ معنى الاصطفاء.
لكنَّ الإمام المهديَّ (عجَّل الله فرجه)، في جوهر الفكرة المهدويَّة، هو نفيٌ
مطلقٌ لكلِّ أشكال الاصطفاء الأرضيِّ، فهو لا يأتي ليُعيد الامتيازات، بل ليُنهيها؛
ولذلك كانت رايته شعاراً للعدل، لا للهويَّة، وحركته وعداً للإنسان، لا لطائفةٍ أو
أرضٍ دون غيرها.
إنَّ الإصرار على تخصيص (أرضٍ للظهور) هو الوجه الجديد لفكرة (شعب الله المختار)،
لكنَّها هذه المرَّة في لبوسٍ شيعيٍّ أو دينيٍّ آخر، يُعيد إنتاج الغرور الجمعيِّ
باسم الولاء، وهذا ما حذَّر منه الإمام الصادق (عليه السلام) حين قال: «يَقُومُ
اَلْقَائِمُ (عليه السلام) وَلَيْسَ لِأَحَدٍ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ»(٢٣)، أي إنَّ
حركته لا تنطلق من حدودٍ جغرافيَّةٍ ولا من شرعيَّةٍ سياسيَّةٍ مسبقةٍ، بل من
تحوُّلٍ في ميزان القِيَم بين السماء والأرض.
من الفخر الوطنيِّ إلى الغرور
الدِّينيِّ:
حين تتحوَّل الرواية إلى شعارٍ وطنيٍّ، تبدأ الفتنة المقدَّسة: كلُّ شعبٍ يرى نفسه
صاحب الامتياز الإلهيِّ الأخير، وكلُّ بلدٍ يدَّعي أنَّه محور النور، حتَّى يُصبِح
الولاء للإمام وسيلةً لتمجيد الذات لا للتطهُّر منها، وهكذا يتحوَّل التمهيد إلى
نزعةٍ قوميَّةٍ مغلَّفةٍ بالدِّين، ويُفرَّغ الانتظار من معناه الروحيِّ ليُصبَغ
بصبغةٍ وطنيَّةٍ مزيَّفةٍ، ولأنَّ النفس البشريَّة تميل إلى الامتياز أكثر ممَّا
تميل إلى التكليف، فإنَّ الخطاب الجغرافيَّ يجد في الجماهير أرضاً خصبةً؛ لأنَّه
يُعطيها شعوراً بالفضل دون جهد، وبالاصطفاء دون إصلاح.
فمجرَّد الانتماء إلى أرضٍ (مقدَّسة) يكفي، في المخيال الشعبيِّ؛ ليُعفِي الإنسان
من السؤال عن نفسه، وليجعله شاهداً على الحقِّ دون أنْ يكون عاملاً به، وهكذا نرى
أنَّ التحوُّل من بلادٍ صالحةٍ إلى بلادٍ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٣) الإمامة والتبصرة (ص ١١٦/ ح ١٠٧).
مختارةٍ هو في جوهره تحوُّلٌ من الإيمان بالله إلى الإيمان بالانتماء، ومن عبادة الحقِّ إلى تمجيد المكان، ومن التوحيد إلى العصبيَّة المغلَّفة بالتقديس، لكنَّ الأرض في ميزان الله لا تُقاس بالحدود، بل تُقاس بقدر ما يُقام فيها من عدلٍ وذكرٍ وشكرٍ، ومَنْ جعل لله في أرضه حدوداً حَصَرَ رحمته فيما لا يُحَدُّ، ومَنْ جعل الظهور مِلكاً لبلده، فقد جعل الغيب تابعاً لهواه.
* * *
استعادة المعنى القرآنيِّ للأرض نحو رؤية توحيديَّة للأوطان والظهور
كلُّ أرضٍ تحت السماء هي صفحةٌ من سفر الله المفتوح، ليس في الوجود مكانٌ يضيق
بالعدل، ولا ترابٌ لا يعرف السجود، لكنَّ الإنسان إذ قسَّم الأرض على مقاييس خوفه
وطمعه، نسي أنَّ الله قال في أوَّل خطابٍ للبشريَّة: ﴿إِنِّي
جَاعِلٌ فِي الْأَرضِ خَلِيفَةً﴾ (البقرة: ٣٠)، فلم يقل: (في العراق) أو (في
الحجاز) أو (في الشام)، بل قال: ﴿فِي الْأَرضِ﴾،
كلُّها ميدانٌ للاستخلاف، وكلُّها مهيَّأةٌ لقيام الحقِّ إذا قام في القلوب.
الأرض في الوعي القرآنيِّ:
الأرض في منطق الوحي ليست وعاءً محايداً للأحداث، بل مسرحُ الأمانة التي حمَّلها
الإنسان؛ ولذلك تُذكَر في القرآن بأسماءٍ مختلفةٍ بحسب الموقف الروحيِّ من الله: هي
الأرض الطيِّبة إذا زُرِعَت بالحقِّ، والأرض الميِّتة إذا عُطِّلت فيها العدالة،
والأرض المباركة إذا صارت معبراً للنور، لا موطئاً للغرور، البركة في الأرض ليست
خاصّيَّةً ترابيَّةً، بل استجابةٌ أخلاقيَّةٌ لقانون الله فيها؛ فالأرض التي يُقام
فيها العدل تُبارَك، ولو كانت قاحلة، والأرض التي يُستباح فيها
الضعفاء تُلعَن، ولو
كانت مقدَّسة الاسم؛ ولذلك قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ
الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ
وَالْأَرضِ﴾ (الأعراف: ٩٦)، فالبَرَكة ليست وعداً جغرافيًّا، بل ثمرةُ
الإيمان.
الوطن بين الهويَّة والمبدأ:
في اللغة القرآنيَّة، لا يُقدَّس الوطن لكونه وطناً، بل لكونه موضعاً للشهادة،
فكربلاء لم تُرفَع إلى السماء لأنَّها أرضٌ عربيَّة، بل لأنَّها احتضنت فعلاً من
أفعال الله في التاريخ: الدم الذي حرَّر الضمير، وحين يُفهَم الوطن على هذا النحو،
يعود إلى موقعه الطبيعيِّ: ليس معبوداً يُدافَع عنه بلا حقٍّ، ولا غنيمةً يُتقاتَل
عليها، بل ميداناً للتكليف، إنَّ التوحيد لا يترك مكاناً للاصطفاء المكانيِّ؛ لأنَّ
الله الذي خلق المشرق والمغرب لا يُفضِّل بقعةً إلَّا بما يُقام فيها من طاعة؛
ولذلك، فالأوطان في ميزان الظهور لا تتمايز بالجغرافيا، بل بمدى استعدادها
الأخلاقيِّ لاستقبال العدل، فحيثما وُجِدَ قلبٌ مؤمنٌ وعقلٌ راجحٌ ويدٌ عاملةٌ،
فثَمَّ أرضُ التمهيد.
الظهور بوصفه عودة الأرض إلى
وحدتها:
حين يظهر الإمام، لا يفتح الحدود، بل يُعيد الأرض إلى وحدتها الأُولى، إلى اللحظة
التي كانت فيها الجغرافيا خاضعةً للأخلاق لا للسياسة؛ فالإمام لا يأتي ليُحرِّر
أرضاً دون أُخرى، بل ليُعيد للأرض وظيفتها في خدمة الإنسان، وللإنسان مسؤوليَّته في
عمارة الأرض،
وحينها يفهم الناس معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ
الأَرْضَ لِلهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ
لِلْمُتَّقِينَ﴾ (الأعراف: ١٢٨)، فالإرث هنا ليس انتقالاً للمُلك، بل
تحوُّلٌ في ميزان الشرعيَّة: من القوَّة إلى التقوى، ومن العصبيَّة إلى العدل.
بهذا المعنى، الظهور ليس حَدَثاً جغرافيًّا، بل اكتمالُ مسارٍ أخلاقيٍّ في التاريخ،
فإذا امتلأت الأرض جوراً وظلماً، فليس المقصود أنَّها امتلأت ظاهريًّا فحسب، بل
أنَّ القِيَم فقدت معناها، وأنَّ الإنسان نسي الغاية من المكان، وعندما يظهر
الإمام، لا يُغيِّر تضاريس الأرض، بل يُغيِّر معاييرها، فيُصبِح الحاكم خادماً،
والمكان ميداناً للإنصاف لا للاحتكار.
من توحيد العقيدة إلى توحيد
الأرض:
إنَّ أخطر ما تُنتِجه عقيدة (الأرض المختارة) هو انقسام العالم إلى فسطاطين: أرضٍ
لله وأرضٍ لغيره، وكأنَّ الله إلهٌ إقليميٌّ لا ربَّ العالمين، لكنَّ القرآن يردُّ
على هذا الفهم حين يقول: ﴿قُلْ للهِ الْمَشْرِقُ
وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (البقرة:
١٤٢)، فالهداية لا تُقسَّم على الاتِّجاهات؛ لأنَّ الطريق إلى الله لا يُرسَم
بالبوصلة بل بالبصيرة.
وحين يُدرك المؤمن هذه الحقيقة، يُحرَّر وعيه من وهم الجغرافيا، ويعلم أنَّ
الانتظار ليس سفراً نحو أرضٍ أُخرى، بل رحلةٌ نحو قلبٍ آخر، فمَنْ طهَّر أرض قلبه
من الظلم فقد دخل في
أرض الظهور، ومَنْ أقام في بيته عدلاً فقد مهَّد للإمام في
بيته قبل أنْ يراه في أرضٍ بعيدة.
الأرض التي لا تُرى:
ليست كلُّ أرضٍ تُرى بالبصر، هناك أرضٌ أوسع من كلِّ القارَّات: أرض القلوب التي
تسع الله، وهي التي تحدَّث عنها أمير المؤمنين (عليه السلام) حين قال: «لَوْ كُشِفَ
اَلْغِطَاءُ مَا اِزْدَدْتُ يَقِيناً»(٢٤)؛ فالإمام الذي يُنتظَر لا يُنتظَر في
الخريطة، بل في الداخل، وحين يتهيَّأ الداخل، ينفتح الخارج على ظهوره.
الأرض إذن ليست ميداناً للسبق السياسيِّ، بل حقلاً للامتحان الروحيِّ، وكلُّ إنسانٍ
صَلُح قلبه صار وطناً للنور، وكلُّ جماعةٍ أقامت العدل صارت من أنصار الظهور، وكلُّ
أرضٍ طهَّرت نفسها من الظلم، ولو في أقصى المشرق، دخلت في نطاق الوعود الإلهيَّة.
خاتمة الفصل السادس:
وهكذا تنتهي دورة (التطبيق الجغرافيِّ) كما بدأت: بحنينٍ إلى المكان انتهى إلى
عبادة الجغرافيا، ثمّ عاد في الوعي القرآنيِّ إلى توحيد الأرض في الله، فلا أرضَ
مختارة، بل أرضٌ يُختبَر فيها الاختيار، ولا بلدٌ موعود، بل إنسانٌ موعود بأنْ
يُحقِّق العدل حيث يكون.
مَنْ فهم الأرض كما فهمها القرآن، أدرك أنَّ كلَّ تربةٍ قابلةٌ لأنْ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٤) غُرَر الحِكَم (ص ٥٦٦/ ح ١).
تكون كربلاء،
وأنَّ العدالة لا تحتاج إلى إحداثيَّاتٍ لتُقام، بل إلى قلوبٍ مؤمنةٍ لا تحدُّها
الحدود، وحين يظهر الإمام، لن يُسائل الناس: في أيِّ أرضٍ كنتم؟ بل سيسألهم: أيُّ
أرضٍ أقامها إيمانكم في أنفسكم؟
ذلك هو معنى الظهور في أُفُقه الأعلى، أنْ تستعيد الأرض وحدتها في التوحيد، وأنْ
يتساوى المشرق والمغرب في شمس العدالة، وأنْ يعود الإنسان إلى الأرض لا ليملكها، بل
ليكون أميناً عليها.
* * *
حين يتحوَّل الغيب إلى أداة تفكيك
المجتمع:
حين يَبتعد الناس عن ضوء المرجعيَّة، يبدؤون بقراءة الغيب بأهوائهم، لا بنور العلم،
وحين تضعف في النفوس الهيبةُ التي للمرجع العادل، تتجرَّأ الألسن على الحديث في
مصير الأُمَّة وكأنَّه شأنٌ فرديٌّ، وتنقلب النصوص من مناراتٍ للهداية إلى أدواتٍ
للتفكيك.
فالمرجعيَّة في كلِّ العصور لم تكن سلطةً دينيَّةً فحسب، بل كانت مركز الاتِّزان في
فهم العلاقة بين الغيب والواقع، هي التي أبقت الدِّين عقلاً قبل أنْ يكون عاطفةً،
ومنهجاً قبل أنْ يكون شعاراً، وحين يتراجع حضورها في الوجدان العامِّ، ينشأ في
الفراغ جيلٌ من المتحدِّثين باسم السماء، لا علماً بل ظنًّا، فيتحوَّل الإيمان
بالمهدي إلى فوضى في الفهم والاتِّجاه.
١ - المرجعيَّة صمَّام الأمان
أمام الفوضى الغيبيَّة:
إنَّ أوَّل ما تصيبه موجات التوقيت والتطبيق هو ثقة الناس بالمرجعيَّة، لكنَّ
المرجعيَّة الرشيدة - بما تمتلك من علمٍ رصينٍ وتجربةٍ في إدارة العقول قبل العواطف
- كانت دائماً السدَّ المنيع الذي يحول دون تحوُّل الإيمان إلى هوس، والتأويل إلى
فوضى، والرجاء إلى عصيان، لقد
علَّمت المرجعيَّةُ الناسَ أنَّ الغيب ليس ميداناً
للتكهُّن، بل ميدانٌ للتهذيب، وأنَّ الانتظار ليس حساباً للساعات، بل تزكيَّةً
للنفس وصوناً للمجتمع من الانقسام.
ومن هنا، كان العلماء الراسخون في العلم - رحم الله الماضين وحفظ الباقين - يصدُّون
كلَّ محاولةٍ لتسييس الغيب أو شخصنته، ويردُّون الناس إلى النصِّ والميزان والعقل؛
ولذلك كان الإمام الصادق (عليه السلام) يقول: «كَذَبَ اَلْوَقَّاتُونَ، إِنَّا
أَهْلُ بَيْتٍ لَا نُوَقِّتُ»(٢٥)، وهذا الموقف لم يكن نهياً فقهيًّا فحسب، بل
تأسيساً لحماية المجتمع من السقوط في العبث الزمنيِّ الذي يُنتِج الانقسام
والاضطراب.
٢ - تآكل الثقة حين يُستبدَل
المرجع بالمتكهِّن:
أخطر ما في ظاهرة التوقيت والتطبيق أنَّها تُنتِج مرجعيَّات موازية، تُنافِس
المرجعيَّة الحقيقيَّة في العقول، لا في العلم، وحين يُستبدَل المرجع بالمتكهِّن،
تتبدَّل العلاقة بين الأُمَّة وعلمائها من علاقة تبصيرٍ إلى علاقة تشكيك. الناس
الذين سئموا من الانتظار الزمنيِّ يبحثون عن (يقينٍ عاجلٍ)، فيجدونه عند مَنْ
يَعِدَهم بـ (رؤيةٍ غيبيَّةٍ قريبةٍ)، لكنَّ المرجعيَّة تُدرك أنَّ أخطر ما يُهدِّد
الدِّين ليس العدوُّ الخارجيُّ، بل الاستعجال الداخليُّ الذي يُلبِس الرؤيا ثوبَ
اليقين؛ لذلك ظلَّت المرجعيَّة - عبر فقهائها من النجف وقمّ وغيرها - تُكرِّر أنَّ
(الإيمان الصحيح هو ما احتمل الغيبة)، فالمعيار
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٥) الكافي (ج ١/ ص ٣٦٨/ باب كراهية التوقيت/ ح ٣).
في الدِّين ليس العاطفة، بل
البصيرة، والبصيرة لا تُستمَدُّ من الرؤيا ولا من المنام، بل من النصِّ الموثوق،
والعقل المتَّزن، والعلم الذي لا يتَّبع الهوى.
٣ - حين يضعف الاحتكام إلى
المرجعيَّة:
حين تنحسر هيبة المرجعيَّة، يبدأ الناس في إنشاء منابر صغيرة تحاكيها، فيغدو كلُّ
مجلسٍ ساحةَ فتوى، وكلُّ منبرٍ منبرَ توقيتٍ أو تطبيق، تُستخدَم الروايات كما
تُستخدَم الشعارات، ويُسقِط كلُّ متحدِّثٍ عليها ما يشاء من أحداثٍ أو أسماءٍ أو
خرائطٍ، وهكذا تتحوَّل الرواية من أداةٍ للهداية إلى أداةٍ للتهييج.
المرجعيَّة وحدها هي التي تستطيع أنْ تفكَّ هذا الاشتباك بين النصِّ والتاريخ؛
لأنَّها تحمل الشرعيَّة المعرفيَّة: تقرأ الروايات ضمن علم الرجال، والسند، والفقه،
والمقاصد، لا ضمن الاندفاعات العاطفيَّة أو الحسابات السياسيَّة، وحين تعود
المرجعيَّة إلى الواجهة، ينضبط الخطاب، وتعود الروايات إلى مواضعها الأصليَّة:
رموزاً تربويَّةً لا خرائط زمنيَّة.
٤ - من حماية النصِّ إلى حماية
المجتمع:
المرجعيَّة لا تحمي الروايات فحسب، بل تحمي من خلالها بنية المجتمع نفسه؛ لأنَّ
التوقيت والتطبيق، حين يخرجان عن الضابط، يُولِّدان طبقاتٍ اجتماعيَّةً متناحرةً:
طبقة (المبشِّرين بالظهور القريب)، وطبقة (المتَّهمين بالتقصير أو الإنكار)، هذه
الثنائيَّة تُمزِّق الوجدان
الجمعيَّ وتزرع الشكَّ بين الأب وابنه، والزوج وزوجه،
لكنَّ المرجعيَّة - بحكمتها وصبرها - تستوعب الجميع تحت مظلَّة النصِّ والعقل،
وتُعيد الحوار من الشارع إلى الفقه، ومن الفوضى إلى العلم؛ ولذلك، فإنَّ الحفاظ على
هيبة المرجعيَّة ليس شأناً طقوسيًّا، بل ضرورة اجتماعيَّة لبقاء المجتمع الدِّينيِّ
منسجماً ومتوازناً، فمن دونها يتنازع الناس على تأويل السماء، ومن دونها يفقد
الدِّين بوصلته ويتحوَّل الغيب إلى سلاحٍ بيد الجهل.
٥ - الأُسَر كمرآةٍ للأزمة:
حتَّى البيوت تتأثَّر حين يُهمَّش صوت المرجعيَّة، الأب الذي يستقي عقيدته من مقاطع
متداولة، والأُمُّ التي تُربِّي أبناءها على (علامات الظهور) لا على قِيَم
الانتظار، والشابُّ الذي يتعامل مع المهدويَّة كهويَّة حزبيَّة، كلُّهم يسيرون في
طريقٍ يبتعد عن روح الدِّين، لكنَّ المرجعيَّة، بما تُمثِّله من أُبوَّة علميَّة
وروحيَّة، تُعيد للأُسَر توازنها، فهي لا تكتفي بالتوجيه العقائدي، بل تُذكِّر
بأنَّ الدِّين سلوكٌ قبل أنْ يكون شعاراً، وأنَّ الانتظار الأصيل يبدأ من إصلاح
البيت قبل إصلاح العالم.
* * *
الاستغلال السياسي.. حين تتحوَّل المهدويَّة إلى خطابٍ للهيمنة والتعبئة
ليس أخطر على الإيمان من أنْ يتحوَّل إلى سلطة، ولا على الغيب من أنْ يُستعمَل
وسيلةً لإدارة الأرض؛ فالسياسة حين تمتدُّ إلى الغيب تُفسِده، والغيب حين يُسخَّر
للسياسة يفقد سموَّه، وهكذا تتولَّد أخطر أشكال الانحراف حين يُختزَل الإمام
المهديُّ (عجَّل الله فرجه) في شعاراتٍ تُرفَع لتبرير الولاءات أو لتجميل السلطة أو
لتكريس الخوف.
لقد كان التوقيت والتطبيق في بدايتهما خطأً فكريًّا، لكنَّ أخطر تحوُّلاتهما كانت
حين أصبحا أداةً في الصراع السياسيِّ، ومن هنا تظهر عظمة المرجعيَّة؛ إذ كانت وما
تزال الحصن الذي يمنع تسييس الغيب، ويفصل بين الإيمان المهدويِّ والاستغلال
المصلحيِّ.
المرجعيَّة بين الغيب والسياسة:
منذ بدايات الفقه الإماميِّ، وخصوصاً في المدرسة النجفيَّة، ترسَّخ مبدأ أنَّ
المرجعيَّة ليست ذراعاً للحكم، بل ميزاناً يزن الحاكم والمحكوم معاً بميزان الشرع
والعقل. لم تكن المرجعيَّة يوماً جزءاً من صراع القوى، بل كانت صوت الله الهادئ وسط
صخب الشعارات،
في كلِّ منعطفٍ تاريخيٍّ حاولت فيه بعض القوى أنْ تجعل المهدويَّة
مطيَّةً لمصالحها، كانت المرجعيَّة تردُّها إلى جادَّة الورع، وتُذكِّر بأنَّ
الإمام لا يُستدرَج إلى الخلافات الأرضيَّة، فهي تُدرك أنَّ الغيب ليس مجالاً
للبرامج السياسيَّة، بل ميدانٌ للتربية الإيمانيَّة والعدل الأخلاقي.
من العقيدة إلى التعبئة:
حين يُستعمَل ذكر الإمام في الحملات السياسيَّة، يفقد الخطاب الدِّينيُّ طهارته،
فتُرفَع الروايات لتأجيج الجماهير، ويُعاد تأويل العلامات لتتناسب مع الموقف،
ويُقسَّم الناس بين (أنصار المهديِّ) و(منكريه)، فيتحوَّل الانتظار من قيمةٍ جامعةٍ
إلى أداة انقسامٍ، المرجعيَّة وحدها هي التي كانت تقول بثقةٍ وهدوءٍ: (العدل لا
يُستورَد من الغيب، بل يُصنَع في الحاضر)، كانت تُعلِّم أنَّ طريق التمهيد ليس في
الحشود بل في إقامة العدالة اليوميَّة، وأنَّ انتظار الإمام لا يعني انتظار سلطةٍ،
بل العمل لإزالة الظلم الذي يُعجِّل بالظهور.
المرجعيَّة وحكمة الصمت:
في التاريخ الحديث، تجلَّت بصيرة المرجعيَّة حين اختارت الصمت الواعي أمام مَنْ
أراد جرَّها إلى معارك سياسيَّة باسم المهدويَّة، لم يكن صمتها ضعفاً، بل إغلاقاً
لباب الفتنة، فهي تعلم أنَّ كلَّ صوتٍ يُخرِج الإمام من غيبه إلى ساحة النزاع
إنَّما يُحوِّله من رمزٍ كونيٍّ إلى شعارٍ
فئويٍّ، وفي هذا الصمت تكمن الشجاعة، أنْ
تحمي الفكرة دون أنْ تصرخ، وأنْ تصون الغيب دون أنْ تُزايد به، لقد حمت المرجعيَّة
مقام الإمام من أنْ يُستعمَل أداةً لابتزاز الناس أو لتأليه السلطة، وبذلك صانت
الدِّين من عبوديَّةٍ جديدةٍ في ثوبٍ روحيٍّ.
حين تتحوَّل المهدويَّة إلى غطاءٍ
للهيمنة:
في بعض اللحظات التاريخيَّة، استغلَّ طامحون الروايات المهدويَّة ليُقدِّموا أنفسهم
ممثِّلين عن (مشروعٍ غيبيٍّ إلهيٍّ)، لكنَّ المرجعيَّة كانت ترى في ذلك تهديداً
مزدوجاً: فهو يسيء إلى الإمام، ويُفسِد الضمير الجمعيَّ، إذ حين تُسخَّر المهدويَّة
لتبرير السيطرة، يُختزَل الوعي الدِّينيُّ في طاعة الأفراد لا طاعة الله.
المرجعيَّة هنا ليست مجرَّد ناصح، بل حارسٌ للتوحيد من أنْ يُستبدَل بالولاء
الأعمى، كانت تقول - قول العارفين -: إنَّ الإمام لا يُمثَّل بقرار، ولا تُعيَّن
وصايته بخطابٍ أو حركة، وأنَّ مَنِ ادَّعى التخصيص فقد ضيَّع العمق الرساليَّ
للانتظار.
السياسة حين تفقد البوصلة
الروحيَّة:
حين تنفصل السياسة عن المرجعيَّة، تفقد البوصلة الروحيَّة التي تردُّها إلى قِيَم
العدل والرحمة، فتتحوَّل القضايا الكبرى إلى سباقٍ على الأحقّيَّة باسم الإمام،
وتُنتهَك الأخلاق بدعوى (التمهيد)، ويُستباح الخصم السياسيُّ باسم (الولاء)، هذه
الفوضى القيميَّة لا يوقفها إلَّا صوت المرجعيَّة، الذي يُذكِّر بأنَّ المهديَّ ليس
ملك حزبٍ ولا جناحٍ،
بل أمل الإنسانيَّة كلِّها، وأنَّ العدالة التي سيقيمها لا
تُبنى على إلغاء أحدٍ من عباده.
المرجعيَّة والتوازن:
في كلِّ مرَّةٍ ارتفعت فيها الحمَّى السياسيَّة باسم الإمام، المرجعيَّة تُعيد
تعريف المهدويَّة من جديد: لا مشروعاً سلطويًّا، ولا وعداً دنيويًّا، بل مدرسةً
أخلاقيَّةً تُنضِج الإنسان ليكون أهلاً للعصر الموعود، وبهذه الرؤية، استطاعت أنْ
تحفظ الدِّين من تأليه السياسيِّ، وتحفظ السياسة من ابتزاز الدِّينيِّ، وتمنع من
أنْ تتحوَّل الروايات إلى وثائق تعبئةٍ أو منشورات حشد، فالمرجعيَّة لا تحرس النصوص
فقط، بل تحرس كرامة الإنسان من أنْ يُستعمَل باسم الإمام.
لقد حمت المرجعيَّةُ المهدويَّةَ من أنْ تتحوَّل إلى طموحٍ دنيويٍّ، وحمت الأُمَّة
من أنْ تُدار بعصبيَّة المنتظِرين المتعجِّلين، وحين تنظر الأجيال إلى التاريخ،
ستُدرك أنَّ كلَّ فتنةٍ غيبيَّةٍ نجا منها الناس، كان وراءها صبرُ مرجعٍ وصمته،
وعقلٌ يحرس الغيب من التلاعب، وقلبٌ لا يرى في الإمام إلَّا نوراً.
* * *
الانعكاس النفسي والاجتماعي من القلق إلى الهوس الغيبيِّ
حين تتراكم في الوجدان الجماعيِّ طبقاتٌ من القلق والحرمان والتنافر بين المثال
والواقع، تنشأ حاجةٌ لا شعوريَّة إلى (مخلِّصٍ) يُعيد الاتِّزان المفقود. في لحظات
الأزمات الكبرى، يُصبِح الغيبُ ملاذاً نفسيًّا، لا عقيدةً معرفيَّةً فحسب. ومع مرور
الوقت، تتحوَّل هذه الحاجة من رجاءٍ روحيٍّ إلى إدمانٍ عاطفيٍّ، ومن تطلُّعٍ إلى
عدالة الله إلى إسقاطٍ لكلِّ الإحباطات على فكرة (الظهور القريب).
في هذه اللحظة، لا يعود الانتظار تعبيراً عن الإيمان، بل يُصبِح آليَّةً دفاعيَّةً
ضدَّ الواقع. وهنا تظهر وظيفة المرجعيَّة: أنْ تُعيد للعقيدة توازنها، وللنفس
سكينتها، وللوجدان الجماعيِّ اتِّزانه، حتَّى لا يتحوَّل الإيمان بالغيب إلى هوسٍ
جمعيٍّ يُنتِج اضطراباتٍ أخطر من تلك التي أراد الهروب منها.
بين الحاجة إلى الأمل والوقوع في
الوهم:
النفس البشريَّة لا تستطيع أنْ تعيش بلا أُفُق. فإذا انسدَّت أمامها آفاقُ التغيير
الواقعيِّ، لجأت إلى خلق أُفُقٍ غيبيٍّ تلوذ به، وفي المجتمعات التي تكثر فيها
المظالم أو يتعطَّل فيها الإصلاح، ينمو داخل
النفوس (تعويضٌ مهدويٌّ) يملأ فراغ
العدالة المفقودة، لكنَّ الخطر يبدأ حين يتحوَّل هذا التعويض إلى بديلٍ عن العمل،
وحين يُصبِح الغيب وسيلةً للهروب من الواجب.
المرجعيَّة، بصفائها العلميِّ واستقلالها عن العواطف الجماعيَّة، هي التي تُذكِّر
الناس بأنَّ الإيمان لا يُبنى على الهروب، بل على الصبر الواعيِّ. فهي تحمي الوجدان
من الانزلاق إلى وهم (الزمن المحدَّد) أو (العلامة الأكيدة)، وتُبقي الإيمان حيًّا
دون أنْ تسمح له أنْ يتحوَّل إلى مرضٍ نفسيٍّ جمعيٍّ.
القلق الوجوديُّ وجاذبيَّة
التوقيت:
الإنسان المرهَق من الغموض يريد أنْ يعرف متى تنتهي المأساة. وهذا الميل إلى
(التوقيت) هو في عمقه تعبيرٌ عن قلقٍ وجوديٍّ أكثر من كونه انحرافاً عقديًّا. فحين
يفقد الإنسان ثقته في النظام الاجتماعيِّ والسياسيِّ، يبحث عن يقينٍ بديلٍ في
النظام الغيبيِّ. وهكذا تتولَّد موجات التنبُّؤ بالظهور، كلَّما اشتدَّ الخوف أو
تعاظمت الكوارث.
المرجعيَّة هي الجهة الوحيدة القادرة على تفكيك هذا القلق، لأنَّها لا تعالج
المعتقد فقط، بل تُوجِّه الوعي الجمعيَّ نحو الثقة بالله بدل القلق من المستقبل، هي
لا تهاجم المنتظِرين، بل تحتضنهم وتعيد تعريف الانتظار بأنَّه عملٌ إصلاحيٌّ في
الحاضر لا توقُّعٌ لزمنٍ في الغيب، وبذلك تُخرجهم من السلوك المهووس إلى الإيمان
المتَّزن، وتُحوِّل التوتُّر النفسي إلى طاقةٍ روحيَّةٍ خلَّاقةٍ.
الانعزال النفسيُّ وصناعة (الفرقة
الناجية):
حين يشتدُّ القلق، تميل الجماعات إلى بناء هويَّاتٍ مغلقةٍ تحميها من التناقضات.
فيبدأ بعضهم بتصوُّر أنَّهم (الخاصَّة) الذين يعرفون (علامات الغيب) و(أسرار
الظهور). وهذا ما يُسمِّيه علماء النفس الاجتماعيِّ بـ (آليَّة التعويض بالتمايز)؛
أي إنَّ الفرد حين يفقد السيطرة على الواقع، يُعوِّضها بالانتماء إلى جماعةٍ تدَّعي
السيطرة على الغيب.
المرجعيَّة هنا تقوم بدور الأب الروحيِّ الذي يُعيد تعريف الجماعة ضمن حدود
الأُمَّة، لا خارجها، فهي لا تسمح بتقسيم المجتمع إلى مؤمنين خاصِّين وعامِّين، ولا
بخلق طبقاتٍ روحيَّةٍ جديدةٍ تُعيد إنتاج الكِبر باسم الانتظار، وبتوجيهاتها
المتكرِّرة في ضبط الخطاب والتمسُّك بالمؤسَّسات الدِّينيَّة والعلميَّة، تُعيد
المرجعيَّة دمج الأفراد في النسيج الاجتماعيِّ، وتمنع تحوُّل المهدويَّة إلى
هويَّةٍ انعزاليَّةٍ تُهدِّد وحدة الأُمَّة.
من التديُّن القَلِق إلى الوعي
الهادئ:
التديُّن القَلِق هو الذي يسأل: (متى يظهر؟)، أمَّا التديُّن الهادئ فيسأل: (ماذا
عليَّ أنْ أعمل قبل أنْ يظهر؟)، الفرق بين السؤالين هو الفرق بين القلق النفسيِّ
والوعي الإيمانيِّ، الأوَّل يُنتِج الهوس، والثاني يُنتِج العمل، الأوَّل يخلق
أجيالاً من المنتظِرين القاعدين، والثاني يخلق جيلاً من العاملين الممهِّدين.
المرجعيَّة، بحكم موقعها كمرشدٍ للوعي
الجمعيِّ، تُعيد صياغة السؤال الدِّينيِّ في
عقول الناس، فبدل أنْ تكون المهدويَّة أُفُقاً للتنبُّؤ، تصبح مرآةً للمسؤوليَّة،
ومن خلال فتاواها وتوصياتها وخُطَبها الهادئة، تنقل الخطاب من لغة التهويل إلى لغة
التهذيب، ومن الانفعال إلى البصيرة، ومن الترقُّب العصبيِّ إلى الاطمئنان العمليِّ.
أثر المرجعيَّة في علاج الاضطراب
الجمعيِّ:
حين يتسلَّل الهوس الغيبيُّ إلى المجتمع، تبدأ أعراضه في الظهور: تكاثر الرؤى
والأحلام المهدويَّة، انتشار القَصَص الغامضة، التهافت على كلِّ مَنْ يدَّعي
اتِّصالاً خاصًّا بالإمام، وكلُّ ذلك يعكس اضطراباً في التوازن بين الوعي والعاطفة،
المرجعيَّة تتدخَّل هنا لا لتُكذِّب العاطفة، بل لتُهذِّبها، فهي تُدرك أنَّ
الإيمان الحقيقيَّ لا يُبنى على إلغاء الشعور، بل على توجيهه؛ ولهذا، تُصدِر
المرجعيَّة بياناتها وخُطَبها بلغةٍ هادئةٍ متَّزنةٍ لا تُخيف الناس من الغيب، ولا
تُرضي فيهم شهوة التوقيت، بل تُربِّيهم على الثقة بالصمت الإلهيِّ؛ ذلك الصمت الذي
يُنمِّي في الإنسان التأمُّل لا القلق.
وهكذا تُصبِح المرجعيَّة المعالجة الجماعيَّة للاضطراب الدِّينيِّ: لا بالتعنيف، بل
بالتنوير؛ لا بالمنع القسريِّ، بل بالاحتضان العاقل؛ تجعل من الهدوء فضيلةً، ومن
الانتظار سلوكاً يوميًّا في الصبر والعمل، لا في التكهُّن والتنبُّؤ.
المجتمع المتوازن.. بين العقل
والرجاء:
حين تكون المرجعيَّة حاضرةً في الوجدان العامِّ، يتحوَّل المجتمع من كتلةٍ منفعلةٍ
إلى أُمَّةٍ راشدةٍ تعرف حدود الغيب وحدودها، فلا تستسلم لليأس حين تطول الغيبة،
ولا تنزلق إلى التوقيت حين يشتدُّ الظلم، بل تَحيا بين العقل والرجاء، كما علَّمها
علماؤها الكبار: العقل الذي يزن الخطاب، والرجاء الذي يُبقي الأمل حيًّا دون أنْ
يتحوَّل إلى هوس، وفي هذا التوازن تكمن المهدويَّة الصحيحة: إيمانٌ بالغيب، وعملٌ
في الواقع، وارتباطٌ بالمرجعيَّة التي تُمثِّل الامتداد الطبيعيَّ لخطِّ الإمام في
زمن الغيبة، تحمي الناس من الإفراط والتفريط، وتجعل من الدِّين عقلاً هادئاً، لا
صرخةً في الظلام.
خاتمة الفصل السابع:
كلُّ فتنةٍ تبدأ حين يُستبدَل العلم بالظنِّ، وكلُّ نجاةٍ تبدأ حين يُعاد الغيب إلى
ميزان المرجعيَّة، فهي - بما تُمثِّله من حكمةٍ وورعٍ وامتدادٍ للنصِّ الشريف -
تبقى صوت الإمام في غيبته، وصورة العقل الإلهيِّ في زمن الفوضى، وبها يُحافَظ على
الإيمان نقيًّا من التسييس، وعلى المجتمع موحَّداً رغم الجراح، وعلى الانتظار
مهيباً رغم طول الطريق.
* * *
هذا الكتاب خلاصة رحلةٍ فكريَّةٍ طويلةٍ في تأمُّل العلاقة بين الغيب والإنسان،
وبين العقل والإيمان، وبين الرغبة البشريَّة في المعرفة وحدود ما أُذُن له أنْ
يعلم. لم يكن القصد منه إلَّا أنْ نحمي العقيدة المهدويَّة من عبث التوقيت ومن خطأ
التطبيق، وأنْ نُعيدها إلى صفائها الأوَّل: وعداً إلهيًّا بالعدل لا مشروعاً
بشريًّا للسيطرة. لقد رأيتُ، وأنا أتتبَّع النصوص والروايات، أنَّ خطر التوقيت لا
يكمن في جرأته على الغيب فحسب، بل في اضطرابه لوعي الإنسان، إذ يُحوِّل الانتظار
إلى وسوسةٍ جماعيَّةٍ، والرجاء إلى قلقٍ مقنَّعٍ باسم الإيمان. إنَّ مَنْ يُوقِّت
إنَّما يستعجل الحكمة، ومَنْ يُطبِّق إنَّما يختزل الغيب في الصور التي يرتاح
إليها. وكلاهما يفقد معنى الصبر الذي هو لُبُّ المهدويَّة وروحها.
تتبَّعتُ في فصول الكتاب جذور هذا الميل النفسيِّ إلى التوقيت والتطبيق، فوجدتُ
أنَّه ليس ظاهرة فكريَّة فحسب، بل حالة وجدانيَّة ناتجة عن خوف الإنسان من
اللَّايقين. فالزمن عند الإنسان مرآة قلقه، وحين لا يستطيع السيطرة عليه يحاول أنْ
يُروِّضه بالتنبُّؤ أو بالتأويل؛ لذلك يُصبِح الغيب في الوعي الجمعيِّ مساحةً
مفتوحةً لإسقاط الرغبات والهواجس، وتتحوَّل الروايات إلى رموزٍ نُلبِسها وجوه
الأحداث أو الشخصيَّات التي تُشغِلنا. وهنا يبدأ التحريف، لا في النصوص نفسها، بل
في طرائقنا في قراءتها، فالنصُّ الذي أُريد له أنْ يُربِّي النفس على الانتظار
يُصبِح وسيلةً لتغذية الفضول، والرمز الذي أُريد به التذكير يتحوَّل إلى خارطةٍ
للادِّعاء.
وقد تناول الكتاب أثر هذه الظاهرة في المجتمع، حين يتحوَّل التوقيت والتطبيق إلى
أدواتٍ لتفكيك الثقة، وإلى منافسةٍ بين الجماعات في مَنْ يملك (العلم الأقرب) بزمان
الظهور أو بهويَّة الممهِّدين. ورأيتُ أنَّ أخطر ما في هذه المنافسة أنَّها تُخرج
العقيدة من فضاء العبادة إلى فضاء الصراع. من هنا كانت المرجعيَّة، كما أكَّدتُ في
أكثر من موضع، هي الحارس الأصدق للعقيدة، والعقل الذي يوازن بين الإيمان والعقل،
وبين النصِّ والواقع. فهي التي تحمي الغيب من التسييس، وتحمي المجتمع من فوضى
التأويل، وتحافظ على أنْ يبقى الإمام غيباً مهيباً لا أداة في خطابٍ أو شعارٍ أو
تنظيمٍ.
لم يكن القصد من الكتاب أنْ يُدين، بل أنْ يُنير. أردتُ أنْ يفهم القارئ أنَّ أخطر
أنواع الانحراف ليست تلك التي تُعلِن تمرُّدها على الدِّين، بل تلك التي تُلبِس
لبوس الغيرة عليه. وأنَّ الانحراف ليس دائماً في نفي الإمام، بل أحياناً في محاولة
اختصاره، أو تمثيله، أو التكلُّم باسمه دون إذنٍ أو برهانٍ؛ لذلك جاءت الفصول
متتابعةً لا لتُكرِّر المعنى، بل لتبنيه من جذره النفسيِّ إلى ثماره الاجتماعيَّة
والسياسيَّة. فالفصل الأوَّل رسَّخ الإطار الشرعي للعقيدة، والثاني كشف آليَّات
التوقيت في الوعي الجمعيِّ، والثالث والرابع عرضا تطبيقات التاريخ وأخطاء إسقاط
الروايات، والخامس والسادس بحثا في دور المرجعيَّة وضبطها للمسار، والسابع أخيراً
تناول إسقاطات هذه الأخطاء على النفس والمجتمع والدولة.
إنَّ خلاصة هذه الرحلة أنَّ الغيب امتحانٌ للوعي، وأنَّ الإيمان لا يُختبَر بما
نعرفه عن المستقبل، بل بما نصنعه في الحاضر. فكلُّ توقيتٍ يزرع الوهم في القلوب،
وكلُّ تطبيقٍ قبل أوانه يفتح باب الفتنة. وليس الإيمان أنْ ننتظر أنْ يحدث ما
وُعدنا به، بل أنْ نحيا بما يليق بذلك الوعد؛ لذلك دعوت في هذا الكتاب إلى قراءةٍ
أكثر نضجاً للانتظار: انتظارٍ يبني لا يُعطِّل، ويزرع لا يتفرَّج، ويؤمن بأنَّ
الغيب لا يُدار بالحدس ولا يُستملَك بالخيال.
لقد كتبتُ هذا الكتاب وأنا أستشعر ثقل الكلمة أمام مقام الإمام، وأشعر أنَّ من
واجبنا أنْ نُطهِّر الخطاب المهدويَّ من الانفعال ومن الاستغلال، وأنْ نُعيد له
سكينته التي هي من سكينة الوعد الإلهيِّ نفسه. فالإمام المهديُّ (عجَّل الله فرجه)
لا يُنتظَر بفضول العقول، بل بخشوع القلوب. ولا يُتَّبع بالتحزُّب، بل بالعدل
والتقوى. ومَنْ أراد أنْ يكون ممهِّداً حقًّا، فليبدأ بنفسه قبل أنْ يطلب العلامات
في السماء.
إنَّ ما أرجوه من هذا العمل أنْ يكون لبنةً في مشروعٍ أوسع لحماية العقيدة من
التسرُّع، ولغرس الوعي بأنَّ المرجعيَّة هي الأُفُق الذي يعصم المجتمع من الانزلاق
نحو التنبُّؤات والخيالات، وأنَّها الامتداد
الواقعيُّ لعقل الإمام في غيبته. فالذي
يثق بالمرجعيَّة لا يضلُّ في الغيب، والذي يعبد الله في حدود ما أذن له لا يزلُّ في
التوقيت، والذي يتَّبع النصَّ بعقلٍ وورعٍ لا يقع في التطبيق.
وهكذا، فإنَّ التوقيت والتطبيق ليسا مجرَّد أخطاءٍ فكريَّةٍ، بل علاماتٌ على أزمةٍ
في العلاقة بين الإنسان والسماء، بين الحلم والواقع، بين الإيمان والرغبة في
السيطرة. وكلَّما نضج الوعي المهدويُّ، تراجعت الحاجة إلى التوقيت، وتطهَّر الإيمان
من الوساوس، وعاد الغيب إلى مكانه الطبيعيِّ: امتحانٌ للصبر، لا أداةٌ للهيمنة. ذلك
هو الوعي الذي أردتُ أنْ أستثيره في هذا الكتاب، وتلك هي الرسالة التي أرجو أنْ
تبقى بعده: أنْ نؤمن بالله وبحجَّته كما أراد الله، لا كما يشتهي خوفنا أو يُخطِّط
خيالنا.
وآخر دعوانا أنِ الحمد لله ربِّ العالمين.
* * *
١ - القرآن الكريم.
٢ - الإمامة والتبصرة: ابن بابويه/ ط ١/ ١٤٠٤هـ/ مدرسة الإمام الهادي (عليه
السلام)/ قمّ.
٣ - تفسير العيَّاشي: محمّد بن مسعود العيَّاشي/ تحقيق: السيِّد هاشم الرسولي
المحلَّاتي/ المكتبة العلميَّة الإسلاميَّة/ طهران.
٤ - التوحيد: الشيخ الصدوق/ تحقيق وتصحيح: هاشم حسيني طهراني/ ط ١/ جماعة
المدرِّسين في الحوزة العلميَّة/ قمّ.
٥ - الخصال: الشيخ الصدوق/ تصحيح وتعليق: عليّ أكبر الغفاري/ ١٣٦٢ش/ مؤسَّسة النشر
الإسلامي التابعة لجماعة المدرِّسين بقمّ المشرَّفة.
٦ - رجال النجاشي (فهرست أسماء مصنِّفي الشيعة): أبو العبَّاس أحمد ابن عليّ بن
أحمد بن العبَّاس النجاشي الأسدي الكوفي/ ط ٥/ ١٤١٦هـ/ مؤسَّسة النشر الإسلامي
التابعة لجماعة المدرِّسين بقم المشرَّفة.
٧ - غُرَر الحِكَم ودُرَر الكَلِم: عبد الواحد الآمدي التميمي/
تحقيق وتصحيح:
السيِّد مهدي الرجائي/ ط ٢/ ١٤١٠هـ/ دار الكتاب الإسلامي/ قمّ.
٨ - الغيبة: الشيخ الطوسي/ تحقيق: عبد الله الطهراني وعليّ أحمد ناصح/ ط ١/ ١٤١١هـ/
مطبعة بهمن/ مؤسَّسة المعارف الإسلاميَّة/ قمّ.
٩ - الكافي: الشيخ الكليني/ تحقيق: عليّ أكبر الغفاري/ ط ٥/ ١٣٦٣ش/ مطبعة حيدري/
دار الكُتُب الإسلاميَّة/ طهران.
١٠ - كمال الدِّين وتمام النعمة: الشيخ الصدوق/ تصحيح وتعليق: عليّ أكبر الغفاري/
١٤٠٥هـ/ مؤسَّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرِّسين بقم المشرَّفة.
١١ - مروج الذهب ومعادن الجوهر: عليُّ بن الحسين بن عليٍّ المسعودي/ ط ٢/ ١٤٠٤هـ/
منشورات دار الهجرة/ قمّ.
١٢ - نهج البلاغة: خُطَب أمير المؤمنين (عليه السلام)/ ما اختاره وجمعه: الشريف
الرضي/ تحقيق: الدكتور صبحي صالح/ ط ١/ ١٣٨٧هـ، وبشرح محمّد عبدة/ ط ١/ ١٤١٢هـ/ دار
الذخائر/ قمّ.
* * *
